المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع الكاتب الروسي فلاديمير سوروكين

  
ترجمة: د. تحسين رزاق عزيز
  


ولد فلاديمير غيورغيفيج سوروكين في 7آب في بلدة بيكوفو بضواحي موسكو.أكمل في عام 1977الدراسة في معهد موسكو للنفط والغاز (معهد غوبكين )اختصاص مهندس-ميكانيكي.
بدأ العمل في مجلة (البديل) وفصل منها لرفضه الالتحاق باتحاد الشبيبة الشيوعية(كمسومول).
اشتغل بالخط والرسم وفن التصوير.وتبلورت شخصيته باعتباره كاتبا في أوساط كتّاب ورسامي حركة اندرغراوند المسكوفية في الثمانينيات.
نشرت له مجلة (ألف-ياء)الباريسية في عام1985مجموعة مختارة تضم ست قصص قصيرة.وصدرت لسوروكين في العام نفسه رواية (الطابور) عن دار نشر ((سينتاكسيس)) (فرنسا).تم في روسيا نشر رواية ((الدور)) في مجلة ((فن السينما)) عام 1992،اما دار نشر ((روس ليت))(موسكو) فنشرت له مجموعة القصص القصيرة ، التي دخلت في القائمة النهائية لجائزة البوكر. تم ترشيح مخطوطة روايته((قلوب الأربعة))لجائزة البوكر ودخلت في القائمة النهائية.
مؤلفات فلاديمير سوروكين مترجمة إلى الكثير من اللغات الأوربية إضافة إلى اللغتين اليابانية والكورية. قامت بنشر رواياته في الغرب دور نشر كبيرة مثل:

Gallimard , Fischer , DuMont , Haffman ,Verlag Der Autoren ,BV Berlin.
نال فلاديمير سوروكين جائزة ((البوكر الشعبي))في أيلول عام2001، وبعد ذلك بشهرين نال جائزة اندريه بيلي ((على خدماته المتميزة للأدب الروسي )). وهو حائز على جائزة وزارة الثقافة الألمانية،وجائزة (ليبرتي ) عام2005. عضو رابطة نادي القلم.
تعرض فلاديمير سوروكين في الفترة ذاتها إلى مضايقة من جانب منظمة (سائرين معا)) الشبابية الوطنية. ورفعت ضده دعوى قضائية بتهمة ((الخلاعة)) فيما يتعلق خاصة بروايته ((الشحم الازرق))التي صدرت في عام1999.
صدرت له في الفترة من عام2002الى2005ثلاث روايات مجموعة في ثلاثية هي :
((الجليد)) و(( طريق برو )) و((23000 ))، وفي عام 2006صدرت قصة((يوم مقاتل)) اللاطوباوية.واستمر الخط اللاطوباوي في مجموعة القصص القصيرة ((الكريملن السكري))(2008).
ألف سوروكين للسينما عدة سيناريوهات وكلّفه المسرح الكبير (مسرح البلشوي)في عام 2005بكتابة حوار أوبرا ((أبناء روزنتال))على موسيقى ل.ديسياتنيكوف .
***
* لنتحدث في البداية عن نثرك المبكر... فلوعدنا للوراء سيصعب علينا حتى أن نفهم كيف استطعت أن تعمل بصورة هادفة ابتداء من القصص القصيرة ورواية ((الطابور)).ربما كان هناك حافز ما أو واجب أخلاقي ما لإدراك المجتمع الذي عشت فيه أو حاجة لفهم الذات؟أم لم يكن الأمر سوى متعة؟
- اعتقد أن ذلك كله كان مجتمعا:بدءاً من الرغبة لفهم المجتمع الذي ساقنا القدر للعيش فيه وقد كان مجتمعا خياليا ودولة أسطورية. لكن كانت هناك رغبة أيضا لفهم الذات:فالأدب ما هو إلا آلية لإدراك الذات.ثم إن هذا فيه متعة كذلك.والعملية الأدبية تمنحني متعة شبيهة بالحب.إذن هذه الحوافز مجتمعة.

* يمكن القول انك تقدمت إلى الأمام وفق برنامج كامل للتفكك.فرواية((المعيار))هي تفكيك للأسطورة السوفيتية و((رومان))هي رواية روسية و ((حب مارينا الثلاثون))واقعية اشتراكية. لكن هل ترى اليوم في هذه الروايات شيئا ما آخر غير الهجوم القوي على العالم الفاشي؟
- الفت رواية((حب مارينا الثلاثين)) على شكل قنبلة مزدوجة تتكون من قسمين:القسم الأول يصور الحياة السرية لموسكو المبالغ بها.والقسم الثاني يصور البطلة بعد أن ذابت في اللسان السوفيتي الرسمي وفي الأيديولوجية الرسمية. لقد فقدت شخصيتها الذاتية ومسختها. كتبت هذا قبل عشرين سنة،بل أكثر. وقرا الجميع آنذاك القسم الأول فقط.لأن الجميع عاشوا في ضل هذا الخطاب وهذا واضح وكان كثيرا حد الإفراط. لكنه الآن على العكس فالجميع الآن يقرؤون القسم الثاني بمتعة كبيرة.لأنه أصبح الآن لغة ميتة تماما.اللغة الأسطورية للإمبراطورية الماضية.وتقرأ كأنها أدب اثري أو شئ ما مستخرج من تحت الأرض.ذلك تأثير الزمن. وهذا ينطبق على الكثير من النصوص المشابهة.وإذا كانت سابقا بعض قصصي القصيرة تستوعب كأدب اشتراكي بحت، فانها تقرا الآن باعتبارها واقعية صارمة.

* أدب وثائقي؟
- نعم،نعم.هذا يدل على أن الأدب،في الواقع، يقرأ بأشكال مختلفة. وحتى تولستوي ودوستويفيسكي يقرأون بطرق مختلفة وفقا للزمن. أي أننا نتغير والعالم يتغير والأدب المكتوب سابقا أيضا يتغير معنا سوية.

* لديك قدرة محاكاة غير اعتيادية وتتعامل مع الصور الثابتة في الأذهان باعتبارها توثيق للاتحاد السوفيتي ،حتى أني اعتقدت إن رواية ((الطابور))،ربما،تقرا اليوم باعتبارها تأهيل وبعث للحياة السوفيتية وللغة الروسية في تلك الأيام.
- هل هي تأهيل أم تفكيك؟

* الآن – هي تأهيل.

- نعم، ظهرت لدي الآن فكرة كتابة ((الطابور-2)). فالطوابير الآن موجودة لكن على أشياء أخرى.يوجد،مثلا،طابور في المطار عندما تجتاز التفتيش.وطوابير في الازدحامات المرورية.فالطوابير هذه تختلف جذريا لكن الأحاديث هي نفسها.

* بينما اللغة تغيرت.
- نعم،اللغة تغيرت لكن طبائع البشر بقيت. لقد مضت على كتابة((الطابور))فترة قصيرة جدا لا تتجاوز خمسة وعشرين سنة،فهل يعقل أن تتغير طبيعة شعب خلال خمسة وعشرين سنة.

* لكن الآن أصبحت الدولة روسيا وهنا تحولات كبيرة بحيث أنها تؤثر بمستوى معين حتى على طبائع الناس وعلى اللغة بل،ربما،على الحياة بصورة عامة.
- نعم،تحولات كبيرة من حيث الشكل لكن رواية((الطابور))لا تقرأ كأدب تاريخي.لا تقرأ كأثر تاريخي للعصر. فلو حذفنا منها تفاصيل الواقع السوفيتي لحدثت قصة التعارف مع المرأة،التي تنقذ من الطابور،في أي مكان أخر سواء في الصين أو حتى عندكم في السويد.لا اعلم إن كانت الطوابير موجودة عندكم أم لا وعلى أي أشياء؟

* طوابير المطار نفسها.لا يمكن قراءة رواياتك المبكرة الأخرى هكذا.مفهوم انك لا تريد أن تقول حرفيا في رواية ((المعيار))إن المواطنين السوفيت كانوا معتادين على أكل القاذورات يوميا ولكن هناك مشاهد تثير الغثيان رغم أن القارئ يفهم ويشعر كيف تعمل.
- الحقيقة أني كتبت في ذلك الوقت أدبا صارما واذكر في إحدى المرات أثناء القراءة نهض شخص ما وقال شيئا ما دقيقا.لقد طرح سؤال:((لماذا كتبت في الثمانينيات أشياء تثير الغثيان والصدمة؟)).حاولت أن أفسر له، لكن الكاتب، طبعا، لا يستطيع أن يفسر بالكلام.بينما ذلك الشخص أجاد حين قال:هذه كانت العملية الأدبية المستقبلية الوحيدة التي وسعت هذه المساحة في هذا البلد.إنها كانت الضربة التي وسعت مجال الواقع. اعتقد أني ما قمت إلا بتمهيد المكان لي إلى الفن الجمالي الجديد.وتكونت أشياء مثل((الجليد))و((يوم مقاتل))في هذا المكان النظيف الجديد.لكن كان يجب أن أعيش حتى سن الخمسين لكي افهم لماذا عملت هذا.

* حدثت للقراء ردود فعل قوية.فهل تعتقد أن ردود الفعل هذه ساعدت على قراءة كتاباتك أم إعاقتها ؟
- اعتقد أن القراء كانوا يحَسّبون ذلك لان الصدمة هي إحدى المكونات.وليست عرضية.إنها شئ ما موضوع في المشروع نفسه.

* أتذكر رد فعل بعض النقاد.فقد اتهموك بأشياء كثيرة ،من ضمنها،انك تكتب للغربيين المتخصصين بالسولافية.
- أي اكتب لكِ؟

* ...وأكثر شئ يهمك هو النجاح التجاري وانك تخون الأدب الروسي..وانك تخزي مفهوم النثر الروسي نفسه.هل تذكر تلك التهم؟
- هذه ليست التصريحات الحادة كلها.بل بعضهم صرّح،إذا كان سوروكين مريضا فيجب علاجه.

* وإذا كان معافى- إلى المحكمة
- لكن كتاباتي لا تحتوي ((علاج الصدمة))فقط بل فيها شئ آخر أيضا.واعتقد أن الأشخاص الذين يتفاعلون بألم مع هذه الصدمة هم ناس ضيّقوا الأفق.خاصة النقاد الذين لا يرون شيئا آخر في هذه النصوص.

* ألا يسوؤك ذلك؟
- أتمنى لو قال ذلك احد الغربيين المتخصصين بالآداب السولافية ...لكن هؤلاء لا يستطيعون استيعاب الأدب باعتباره أدبا.والأدب بالنسبة لهم هنا شئ مقدس.لا شك أن في الأدب سرٌ ما.لكن الأدب ليس معبدا ولا داعي لإضفاء وظائف النصوص المقدسة عليه.وإذا قرأت مذكرات تولستوي في ((مجموعة الأعمال الكاملة))تجدين في الموضوع الأول أن تولستوي الشاب دخل المشفى للعلاج من مرض السفلس.لا داعي لأن نجعل من الكتاب الروس قديسين. فالقديسون والزهاد لا يشتغلون بالأدب إنما يعيشون في الصوامع يصلون ويمارسون القضايا الروحية بينما نحن نشتغل بالأدب ونمتهنه بمهارة.وهو نوع من التجارب وعمل علماني شبيه بلعبة الشطرنج على سبيل المثال.

* يبدو أن علم الجمال في الأدب يسبق علم الأخلاق.
- الأدب بالنسبة لي هو ليس ((ماذا))بل((كيف)).انه الذي يمنحنا المتعة الجمالية.أنا أتفهم إن حتى الرياضيات،ربما،تحمل أحيانا متعة جمالية.لكن ليس الكل يفهمون لغة المعادلات بينما بدون الأدب لا يمكن العيش لفترة من الزمن.

* لقد قلت في مكان ما انك رومانسي.فكيف تفسر ذلك؟
- اعتقد أن الإنسان لم يكتمل بعد،وانه سيتكامل –وطالما انه كائن غير كامل فإننا البشر لا نعرف أنفسنا ولا نعرف إمكاناتنا لحد الآن،ولم ندرك بعد إننا كائنات كونية.خلقتنا القوة العقلية العليا ولدينا أهداف كونية،بلا شك،لا أهداف الراحة والتكرار.نحن لسنا ((آلات لحمية)) .وأنا رومانسي في هذه القضية.

* قرأت مقالتك في ملحق ا لصحيفة المستقلة التي ذكرت فيها إن سؤال حتمي واحد يهمك ويقلقك:((ما هو التعسف؟))

- نعم،هذا أيضا شئ محير:لماذا البشر لا يستطيعون تجاوز التعسف؟لماذا لا يستطيعون العيش بدون القتل؟هذا يمثل لغزا بالنسبة لي.واني أحاول أن أتحدث عن هذا بشكل أدبي.


* عادة ما تكون، في أعمالك المبكرة، في حالة من الفوضى الأخلاقية؛ حيث نشاهد أعمال القتل والتعذيب بدون أي سبب واضح.وانك أكثر من مرة كتبت عن التعسف في إطاره الكبير –عن الشيوعية والنازية.حيث توجد هناك فكرة وهدف سامي،فالقتل في روايات((قلوب الأربعة))و((الجليد))و((طريق برو))يتم باسم الهدف السامي،أليس كذلك؟
- تاريخ القرن العشرين بأكمله-هو تاريخ التعسف العام.التعسف لأسباب اديولوجية،باسم الهدف السامي والتعسف أقبح عندما تصبح الدولة هي القاتل.عندما يقتل الإنسان بسكين شخصا-فهذه جريمة ولكن عندما تجبر الدولة بعض الناس على قتل الآخرين- تصبح الجريمة مضاعفة.لان الدولة لا تقتل الضحايا فحسب بل تقتل كذلك أرواح الأشخاص الذين يقتلون.لماذا أنا ضد حكم الإعدام؟لا احد يستطيع أن يتصور وجود وظيفة بعنوان جلاد(منفذ الإعدام).عندما تقول الدولة:اقتل،أنا اسمح لك،فانها بذلك تصنع منه قاتلا وفق القانون.بيد أن الدولة لا يمكنها أن تحيي الإنسان:وهنا يحصل تخبط مزدوج.فقد كانت الضحية واحدة ثم ظهرت ضحية ثانية.وجريمة القتل تتضاعف بسبب آلة الدولة.وهذا تعسف كبير،للأسف،لا ينفد.

* هذا مرتبط عندك بالموضوعة الألمانية.
- ليس هذا فقط.لأنه مرتبط كذلك بالمواضيع السوفيتية والفاشية.لقد أثارتني كثيرا،في النصف الثاني من الثمانينيات،الممارسات الشمولية:سواء السوفيتية منها أو غير السوفيتية.وكتبت بعض الأشياء المرتبطة بالفاشية الألمانية.مثلا((شهر في داهاو)).

* و((الشحم الأزرق)).
- ((Hocheitreise)) ((الشحم الأزرق))ومسرحية

*هل يوجد برأيك فرق واضح؟
- الفرق يأخذ شكلا ظاهريا فقط.فإذا أخذنا مؤسسي الفاشية الشمولية ،هتلر وستالين،نجد أنهما متشابهان في علاقتهما بالإنسان باعتباره مادة أو شئ.كلاهما كانا ملحدين وكلاهما كان ساعيا إلى السلطة،ولكنهما كانا مختلفين. فهتلر لم يفهم لماذا دمر ستالين صفوة البلاد وستالين لم يفهم لماذا يتمسك بنظرية التفوق العرقي.كانت لدى هتلر نظرية الدمBlut und Boden)) )). ولدى ستالين نظرية الدولة الاشتراكية والمساواة.ولكن جمعهما مبدأ واحد – هو استيعابهم للإنسان كجزء من مجموع الجماهير. وهذه علامة القرن العشرين بصورة عامة.وكما قال برودسكي:((الشجرة اغلي علي من الغابة ))،والعكس بالنسبة لهم . الشعب بالنسبة لهم أهم من مفهوم الإنسان.واغرب ما جرى في القرن العشرين إن الإنسان فقد سيرته الشخصية.وذاب في سيرة الجماهير.وتسبب ذلك بنشوء فن جماهيري وذوق جماهيري.

* مضمون رواية((الجليد))ليس بسيطا.حيث تصادفنا فيها الطائفة،الناس الذين يبحثون عن الشجرة في الغابة،لكي يتخالطوا فيما بينهم.
- الشجرة التي تتحدث بالقلب...

* والتي تدمر، في الوقت نفسه، الآخرين بلا رحمة.
- ((ثلاثية الجليد))تمثل بالنسبة لي حديثا عن القرن العشرين.وأثرا ما يذكر بالقرن العشرين.ويمكن استيعابها كشئ مجازي،وربما خيال علمي أو رواية سرية.ولكنها تمثل بالنسبة لي استعارة مجازية ومحاولة للتعميم.بدأت الآن فقط افهم هذا الآمر وأتفاعل معه.فقد عملت على كتابة هذه الثلاثية لمدة خمس سنوات ولكني لم أبدا بتقييمها كقارئ بسيط إلا الآن.إنها كذلك فكرة انتقاء وانتخاب لان كل ممارسة فاشية هي فكرة اصطفاء بدء من الدولة وانتهاء بالشبكات الفاشية.إنها تقسيم للعالم إلى جماعتنا والآخرين.أي إلى أنفسنا والغرباء.

* يبدو لي أن ((أبناء النور))وهم شقر وزرق العيون،يشبهون القساة أبطال رواية((قلوب الأربعة))-وجميعهم يسعون إلى الفردوس الروحي.ألا ترى في هذا البحث الوجودي شيئا ما روسياً ؟
- نعم،طبعا.ولكن ليس الروس وحدهم من يسعى إلى الفردوس الدنيوي.والرواية فيها الكثير من الأمور الروسية؛ففكرة التضحية بالنفس في سبيل الأفكار السامية هي التي سندت الثورة الروسية.وقبل تأليف هذه الرواية استدعت ظاهرة نيزك تونغوس الذي سقط في سيبيريا عام1908،الكثير من الأساطير.فالمجتمع هو الذي كان ينظم رحلات استكشافية إلى هناك في كل سنة.الناس،بلا شك،ينتظرون معجزة.شئ ما سقط من السماء.وكل ما كانوا يجدونه يعتبرونه لغزا.

* كيف ظهرت عندك فكرة((ثلاثية الجليد))؟
-عندما بدأت اكتب لم تكن الفكرة متبلورة.ظهرت الفكرة عندي في اليابان عندما كنت أقوم بتدريس الأدب الروسي واللغة الروسية،في يوم حار جدا من أيام شهر تموز،ظهرت لي فكرة الجليد فجأة.وبعد أن أكملت كتابة الرواية كنت واثقا أن الموضوع قد اكتمل وفكرت أن أبدا بكتابة شيئا آخر.لكن تلك الرواية لم تتركني.كانت لدي أفكار جيدة لروايات جديدة.وبدأت اكتب لكني لم استمر.وعدت ثانية إلى ((الجليد)).وفهمت أني قد تناولت الموضوع لكني لم انهيه.وقال ذلك لي بعض الناس الاَلِبّاء وأكدوا لي إنهم يريدوني أن استمر بالموضوع.والأهم من ذلك إني شخصيا أردت ذلك.وظهر بعد ذلك الجزء الأول من رواية((طريق برو)).

* الرواية التي تبدأ بكلمات((ولدت في عام 1908....))
- هذه سنة سقوط النيزك.وها قد أكملت الجزء الثالث وآمل الآن أن تتركني هذه القصة.

* قلت في إحدى المرات أن((الجليد))هي ردة فعل على خيبة الأمل من الطبقة المثقفة هذه الأيام؟
- ليست من الطبقة المثقفة فقط بل ردة فعل على خيبة الأمل من الحضارة المعاصرة بصورة عامة.الانتليجنتسيا(الطبقة المثقفة)ليست الاسوء.لقد تحول الإنسان بالتدريج إلى((ماكنة لحمية))في ظل الحضارة المعاصرة،أو بصورة أدق في ظل القرن العشرين كله بأفكاره الخاصة بالاستهلاك الجماهيري والذوق الأدبي الوسط والإنتاج الجماهيري والإنتاج الجاهز.وإذا أضفنا ذلك إلى الإلحاد الشمولي،الذي يداهمنا فسيتحول الإنسان الى قطعة من هذه الماكنة وسيفقد روحه باعتباره جزءً من هذا الكون وسيفقد شكله الإلهي أيضا.

وهذا يمثل بالنسبة لي احد أشكال خيبة الأمل.والذي يثير رعبي، حقا، إن المدن كلها أصبحت متشابهة والناس صاروا متشابهين فهم يرتدون الملابس نفسها وان كانوا يتحدثون بلغات شتى.يجري توحيد شمولي للإنسان.وقد انتصر الإنسان الوسط الذي اعتمدت عليه الأنظمة الشمولية.هذا الإنسان ذو الإمكانيات المتوسطة والمتطلبات المتوسطة.وتدور أحداث ثلاثيتي طبعا عن هذا الإنسان.

* إنها في هذه الحالة تمثل بانوراما لحضارة القرن العشرين.ليس في روسيا فقط.
نعم،في الجزء الأخير يدور الكلام عن أشخاص من مختلف القوميات.تجري في روسيا أحداث قليلة جدا.

* هل يوجد امتداد لأدب الواقعية الاشتراكية في الأدب الروسي المعاصر؟
- الواقعية الاشتراكية هي شئ ما نبع من الأدب الروسي الكلاسيكي.فإذا ما أخذنا رواية تورغينيف((الآباء والبنون))سنجد فيها الكثير من الحيثيات الشبيهة بأسلوب الواقعية الاشتراكية ناهيك عن تشيرنيشفسكي الذي اعتبره احد مؤسسي الواقعية الاشتراكية.ولو أخذنا أية رواية بوليسية من رواياتنا المعاصرة لرأينا فيها الكثير من ملامح الواقعية الاشتراكية.لكنها كأسلوب تجاوزها الزمن وماتت مع الاتحاد السوفيتي.وقد كتبت عن هذا الموضوع والفت انطولوجيا وفيها مقطع عن الواقعية الاشتراكية.واعتقد أن التسمية هذه ليست دقيقة لأنها لا تعبّر عن هذا الأسلوب بأكمله.وحاول سينيافسكي الكتابة حول هذا الموضوع واعتبر الواقعية الاشتراكية مثل الكلاسيكية.و هي في الواقع توليفية نشأت من روايتين أو ثلاثة .مؤسسيها غوركي وتشيرنيشيفسكي...

* لو كان برود سكي حاضرا لقال: تولستوي.
- نعم، رواية ((البعث))طبعا.لقد اهتموا بممارسة مذهب التدريسية لتولستوي.ولكن هذا كله مات في الواقع.

*ربما انك قرأت في المدرسة رواية((والفولاذ سقيناه!)).فهل تتذكر ردة فعلك عليها؟
- بدأت قراءة الأدب الروسي الكلاسيكي مبكرا.فقد قرأت ((الأرواح الميتة))عندما كان عمري ثلاثة عشرة سنة وكذلك قرأت لدوستويفسكي مبكرا.وفهمت منذ نعومة اضفاري ما هو الأدب الجيد.أما((والفولاذ سقيناه))- فهي رواية تافهة-إنها وصف لحياة احد القديسين السوفيت.جرى قبلها وصف حياة ماريا المصرية أو القديس انطوني. أما هذا فهو قديس سوفيتي يضطجع مشلولا ويتحدث كيف يجب أن يعيش الناس.إنها رواية مَرَضية نيكروفيلية(النيكروفيلية- حالة مرضية يسعى المصاب بها إلى ممارسة الجنس مع الجثث الميتة –م).والمثير في هذه الرواية إن فيها عدة مشاهد لمحاولات اغتصاب نساء.تتكرر بصورة قاتلة ولا تتم.اعتقد أن المؤلف كان يعاني من عدة عقد.لكنها تعتبر من الأدب السيئ بلا شك.ولم تتجاوز الاتحاد السوفيتي بعمرها.إن المقياس الرئيس للأدب بالنسبة لي هو قابليته على التحول،أي أن عملة أية دولة إذا كانت فاقدة للقابلية على التحويل
مقابل العملات الأخرى فهي ضعيفة.فنحن نحكم على تولستوي انه كاتب جيد عندما نشاهد أعماله في كل مخزن لبيع الكتب في الغرب.أما إذا كان نيكولاي اوستروفسكي غير معروف في السويد فهذا يعني انه كاتب سيئ.

* هذه الحجة نوعا ما خطرة.لأنك تعرف أن بوشكين ليس مشهورا جدا في الخارج.وماذا تفسر نجاح فيلم ((قالب الصب))في أوساط المثقفين الروس؟
- بوشكين- شاعر،ونحن نتحدث عن النثر.أما ((قالب الصب))فهو على كل حال فيلم ممتع.وهو مشهور لأنه يمثل المشكلة كما يقال.أنا لا أتحدث عن الشكل ،هو على العموم فيلم ناجح .وفكرته عميقة.وهذا يجرنا ثانية إلى أن العالم يتغير وان حضارتنا تتملك إدراكنا بالشكل الذي نبدأ به بفقدان بعض إمكاناتنا الطبيعية.بإمكاننا أن لا نؤمن ،مثلا،إن هذا البيانو هو ليس من إسقاطات الكومبيوتر.وهذا كله يثير أفكارا حزينة.

* تحدثت أكثر من مرة عن التوحيد باعتباره تطور في المجتمع.ربما لهذا السبب أنت مهتم بظاهرة الاستنساخ؟
- نعم،ولكني لا أؤمن باستنساخ البشر.إن فكرة كون الناس يريدون أن يكونوا خالقين للبشر بحد ذاتها فكرة خطرة وربما ستدخلنا في مأزق،ولكنها في الأدب ذات آفاق واسعة. فعن طريق الاستنساخ يمكن عرض الإنسان الحالي ووضعه العقلي وماذا يريد.وهذا نابع من عدم الرضا عن النفس وإلا لما كان يريد الاستنساخ.

* أو بالعكس.
- وهذا من إفرازات مجتمع الاستهلاك الجماهيري.يجب أن نخلق أشكالا أكثر لكي يكون عندنا خيار دائم.فلو دخلت احد الأسواق الحديثة لرأيت أكثر من مئة صنف من الباسطرما.وهذا يمثل بالنسبة لي رمز القرن العشرين.مئة صنف من الباسطرما والفكرة واحدة.

* توجد في روايتك الأخيرة((يوم مقاتل))،برأيي، فكرة جديدة تماما في الأدب الروسي:وهي وصف العصر المرعب لايفان الرهيب ومزجه مع مستقبل روسيا.بماذا تفسر هذا الخيار؟
- التناقض ينحصر في كون موضوع المقاتلين القدماء لم يعرض أبدا في الأدب الروسي بهذا الشكل لحد الآن.توجد رواية اليكسي تولستوي((الأمير الفضي))فقط،التي تتناول موضوع الفرسان بشكل سطحي.لم يجرؤ احد من كتابنا الكلاسيكيين على اخذ هذا الموضوع المرعب لأسباب مفهومة تماما:لأنه لو وصف احدهم الأعمال الدموية لفرسان القرن السادس عشر بلغة الواقعية الروسية للقرن التاسع عشر،لما وجدت رقابة تقوم بالسماح بنشر ذلك. وارى أن أي ظاهرة من ظواهر التاريخ الروسي إذا لم يتم وصفها بصورة أدبية حتى يومنا هذا فانها تبقى حية إلى الآن وان فكرة المقاتلين الفرسان وهم بعض رجال الدولة،الذين يسمح لهم بكل شئ ما زالت تعيش في الذهنية الروسية حتى الآن. لقد صورت في كتاب((يوم مقاتل))الوضع الذي تسير نحوه، برأيي، روسيا المعاصرة.المتمثل بالانعزال والاكتفاء الذاتي والانغماس بالماضي والنظر إلى العالم الغربي كعالم معادي.حيث يتم في عام2028السور الروسي العظيم الذي تتكون خلفه روسيا الجديدة التي صار ماضيها حاضرها.وفي هذه الحالة سوف لن تتمكن السلطة من بسط نفوذها دون مساعدة المقاتلين-كلاب الدولة الوفيين.ولا يصعب على الإنسان الروسي أن يكون مقاتلا فارسا, ما عليه إلا أن يستخلص من الذاكرة الشعبية نموذجا قديما لأحد رجال الدولة المتمتعين بصلاحيات مطلقة.وكل موظف روسي من حيث المبدأ فيه شئ من روح المقاتل.والمقاتلون القدماء في القصة يجدون حياة ثانية في القرن الواحد والعشرين.

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6451171   Visitors since 7-9-2002