المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

النحات يتحدث

  
هنري مور (1898 ـ 1986 )
  
ترجمة أسامة أسير
  
















إن تحميلَ الرسم أكثرَ مما يستطيع ، لكي يُصبح بديلاً للمنحوتة ، يُضعِف الرغبة بإنجاز المنحوتة أو من المحتمل أنه يجعل المنحوتة مجرد إنجازٍ ميت للوحة . من الخطأ أن يتحدث النحاتُ و الرسامُ عن عملهما وأن يكتبا دائماً عنه ، لأن هذا يحرر التوتر الذي يحتاجان إليه . فحين يحاول النحاتُ أن يعبر عن أهدافه بدقة منطقية ، يصبح ـ بسهولة ـ منظّراً لا يكون عملُه الفعلي إلا شرحاً محدوداً للمفهومات التي تتطور في أحضان المنطق و الكلمات . و على الرغم من أن الجزءَ غيرَ المنطقي و الغريزي و اللاواعي للذهن يجب أن يلعب دورَه في عمل النحات ، إلا أنه يمتلك أيضاً ذهناً واعياً و نشيطاً .

يعمل الفنان من خلال تركيز شخصيته كلها ، و الجزءُ الواعي منها يُنهي الصراعات و ينظّم الذكريات و يمنعه من محاولة السير في جهتين في الوقت نفسه . من هذا المنطلق ، يستطيع النحاتُ أن يقدّم ـ من خلال تجربته الواعية الخاصة ـ مفاتيحَ تساعد الآخرين في مقاربتهم للنحت ، و في هذه المقالة لا أقدّم مسحاً عاماً لفن النحت أو لتطوره و إنما بعضَ الملاحظاتِ حول المشكلات التي واجهتـُها بين فترة و أخرى .

أبعادٌ ثلاثة

يعتمد تذوّقُ فنِ النحت على القدرة على النظر إلى الشكل في أبعاد ثلاثة . ربما ، لهذا السبب وُصِفَ فنُ النحت بأنه أصعب الفنون ، و بالتأكيد هو أكثر صعوبة ً من الفنون التي تتضمن تذوقاً للأشكال المسطّحة التي لا يمتلك حجمُها إلاّ بُعدين . إن كثيراً من البشر مصابون بعمى الأشكال أكثر مما هم مصابون بعمى الألوان . فالطفل الذي يتعلم الرؤية ، يميز أولاً شكلا ببُعدين ، و لا يستطيع أن يحسب المسافات و الأعماق . فيما بعد ، و من أجل سلامته الشخصية و حاجاته العملية ، يتوجّب عليه أن يطوّر جزئيا ـ من خلال اللمس ـ القُدرة على أن يعي ، بصعوبة ، مسافاتٍ بثلاثة أبعاد . ولكن بعد إرضاء متطلبات الضرورة العملية ، فإن معظم البشر لا يتحركون الى أبعد من ذلك ، و على الرغم من أنهم يمكن أن يُدركوا ـ بدقة ـ الشكلَ المسطّح ، إلا أنهم لا يبذلون المزيد من الجهد الفكري و العاطفي الضروري لفهم الشكل في وجوده المكاني الكامل .

هذا ما ينبغي أن يفعله النحات . يجب أن يبذل جهوداً مستمرة كي يفكر بالشكل و يستخدمه في كماله المكاني التام . يحصل على الشكل الصلب ، كما كان داخل رأسه ، يفكر به ، مهما كان حجمُه ، و كأنه يحمله مسجوناً ـ بشكل كامل ـ في فراغ يده ـ و يتصوّر ذهنياً كل ما حوله كشكل معقد ، و يعرف حين ينظر الى جانبٍ واحد شكلَ الجانب الآخر ، و يحدد موقعَه من مركز جاذبيته و كتلته و وزنه ، و يُدرك حجمه ، كالحيّز الذي يحتله الشكلُ في الفراغ .
و ينبغي على المتابع الواعي لفن النحت أن يتعلم كيف يشعر بالشكل كشكل ، و ليس كوَصف أو تذكّر . يجب ، مثلاً ، أن يُدرك البيضة كشكل مفرد صلب ، بعيداً عن دلالاتها كطعام ، أو عن الفكرة الأدبية بأنها ستصبح طائراً ، و هذا ينطبق على الأشياء الصلبة كالمحار و الجوزة و الخوخة و الأجاصة و الشرغوف و الفطر و قمة الجبل, و الجزر و جذع الشجرة و الطير و البرعم و القنبرة و الدعسوقة و العظام ، إنطلاقا من هذه الأشياء يستطيع أن يتابع ليتذوق أشكالاً أكثر تعقيداً أو تمازجاتِ أشكالٍ عديدة .


برانكوزي

غُطي فن النحت الأوروبي ـ منذ القوطيين ـ بالطحالب و الأعشاب ، و بجميع الأنواع السطحية الزائدة التي تحجب الشكل . وكانت مهمة " برانكوسي " الرئيسية هي التخلص من هذه الأعشاب الزائدة ليجعلنا ، مرة أخرى ، نعي الشكل . و لكي يفعل هذا ، كان عليه أن يركّز على أشكال مباشرة بسيطة جداً و أن يجعل منحوتاته مؤلَّفة ً من أسطوانة واحدة ، و أن يصقل شكلاً واحداً الى درجة ثمينة جداً من النضج . حظي عمل " برانكوسي " بغض النظر عن قيمته الخاصة ، بأهمية تاريخية في تطوّر فن النحت المعاصر . ولكن ربما لم يعد ضرورياً الآن الانغلاقُ و حصرُ فن النحت في وحدة الشكل الثابتة و حسب . صار بوسعنا البدءُ بالانفتاح ، أن نقاربَ عدّة أشكال ذات أحجام متنوعة ، و أقسام و جهات و نمزجها في شكل عضوي واحد .
المَحار والحصى .. شرط الاستجابة للأشكال
على الرغم من أن الشكلَ البشري هو الذي يهمُّني أكثرَ من غيره ، إلا أنني غالباً ما منحت انتباهاً كبيراً إلى الأشكال الطبيعية كالعظام و المَحار و الحَصى . و في بعض الأحيان كنت أرتاد ـ و لعدة أعوام ـ الجزءَ نفسَه من الشاطيء ، ولكن في كل عام كانت تلفت نظري حصاة ٌ لها شكلٌ جديد لم ألمحه مطلقاً في العام الفائت . من بين ملايين الحصى التي أعبرها في سيري على الشاطئ الطويل ، أختار أن اشاهد ـ بإثارة ـ فقط تلك التي تتلاءم مع اهتمامي بالشكل الموجود في ذلك الوقت . يحدث شيءٌ مختلفٌ إذا جلستُ و فحصت حفنة من الحصى واحدة ً بعد أخرى . يمكنني عندئذ أن أطوّر تجربتي مع الشكل مانحاً ذهني الوقت ليُصبح مهيئاً لشكل جديد . ثمة أشكالٌ كونية يكون الجميعُ مهيّأين لها بشكل لاواعٍ و يستطيعون أن يستجيبوا لها إذا لم تمنعهم سيطرتهم الواعية .
الثقوب في النحت
تـُظهر الحصى طريقةَ الطبيعة في تصنيع الحجر ، بعضُ الحصى التي ألتقطها تحتوي ثقوباً ، حين أعمل مباشرةً على مادةٍ صلبةٍ و هشّةٍ كالحجر ، فإن غياب التجربة و الاحترام الكبير للمادة ، و الخوف من معالجتها بشكل سيّء غالباً ما يؤدي الى نحتٍ سطحيٍ مريح ، دون قوة نحتية . ولكن بمزيدٍ من التجربة فإن العملَ الحجريَ المكتمِل يمكن أن يُحفَظ داخل حدود مادته ، أي لا يتم إضعافـُه الى ما وراء بُنيته التركيبية ، و فضلاً عن ذلك يتحوّل من كتلةٍ جامدة إلى مركـّب يمتلك وجوداً شكليا كاملاً ، بكتلٍ من أحجام متنوعة و أقسام تعمل سويةً عبر علاقة مكانية . يمكن أن يكون في الحجر ثقبٌ ، و لا يضعفه ذلك ، و إذا كان حجمُ الثقب و شكلُه و اتجاهُه مدروساً يمكن أن يبقى قوياً . إن الثقبَ الأول في الحجر هو وَحي . يوصل الثقب جانباً بآخر ، جاعلاً من الحجر ثلاثيَ الأبعاد . إن الثقب بحد ذاته يمتلك معنىً شكلياً ككتلة صلبة .

إن النحت في الفراغ ممكن ، حيث يحتوي الحجر ، حسب ، على الثقب ، الذي هو الشكل المقصود و المُعتـَبـَر . لغز الثقب - السحر الغامض للكهوف في جوانب التلال والجروف .

الحجم والشكل .. ثمة حجم مادي لكل فكرة

انتصبت قطعُ الحجر الجيد حول الاستوديو الذي أعملُ فيه فترة طويلة ، و السبب هو رغم أنني أمتلكُ أفكاراً تلائمُ نِسبَها و موادَها بشكلٍ تام ، إلا أن حجمَها كان غيرَ صحيح .
يمكن أن تكون المنحوتة ُ أكبرَ من حجمِها الطبيعي مراتٍ عدّة ، و رغم ذلك يمكن أن تكون تافهةً و صغيرةً في توليدها للمشاعر ، و يمكن لمنحوتةٍ صغيرة ، لا يتجاوز ارتفاعُها بعضَ الإنشات ، أن تمنحَ الشعورَ بحجمٍ ضخمٍ و عظَمةٍ تذكارية ، لأن الرؤية التي تكمن خلفها كبيرة . و أضرب مثالا على ذلك : رسومُ " مايكل انجلو " أو "مادونا " ماساشيو أو تذكار " ألبيرت " .
فضلاً عن ذلك ، يمتلك الحجمُ الماديُّ الفعليُّ معنىً عاطفياً . نقارب كلَّ شيءٍ مع حجمِنا الخاص ، و تسيطر على استجابتِنا العاطفية للحجم حقيقة ُ أن طولَ الإنسان ـ بشكل عام ـ هو بين خمسة أو ستة أقدام . يتأثر فنُ النحت باعتباراتِ الأحجام الفعلية أكثرَ من اللوحة . اللوحة ُ معزولة عن محيطها بإطار ـ إلا إذا خدمت هدفاً تزيينياً ـ و هكذا تحتفظ ، بسهولة ، بوزنها التخيُّلي .
إذا سمحت لي الاعتباراتُ العملية ـ ككلفة المواد و النقل ـ أُلأفضّلُ أن أعملَ على منحوتاتٍ ضخمة . و الحجمُ العاديُّ المتوسط لا يفصل الفكرةَ بشكل كافٍ عن الحياة اليومية الواقعية. إن الصغيرَ جداً أو الكبيرَ جداً يأخذُ حجماً عاطفياً إضافياً .
عملتُ مؤخراً في الريف ، و مارستُ النحتَ في الهواء الطَلق ، و اكتشفت ـ آنذاك ـ أنَّ النحتَ هنا أكثر طبيعيةً من العمل في استوديو في لندن ، لكنه يحتاج الى أبعاد أكبر . إذا وضعتُ قطعةً كبيرةً من الحجر أو الخشب ـ عشوائياً ـ في حقلٍ أو بستانٍ أو حديقة تبدو حالا ملهِمة و مناسبة .

الرسمُ و النحت

كنتُ أقوم بالرسم كي يساعدَني على النحت ، كوسيلةٍ لتوليد أفكارٍ للنحت ، مثل النقر على باب الذات من أجل الفكرة الأولى و كطريقة لابتكار الأفكار و تطويرها .
إذا ما قورن النحتُ بالرسم فأنه يبدو وسيلةَ تعبيرٍية بطيئة ، و لقد وجدت في الرسم مَخرجاً مُفيداً للأفكار التي ليس هناك وقتٌ كافٍ لتحقيقها من خلال النحت . أستخدمُ الرسمَ كطريقةٍ لدراسةِ و رَصد الأشكال الطبيعية ـ رسومات من الحياة ـ للعظام و المحار . و أحيانا أرسمُ لمجرد المتعة .
علمتني التجربة ُ أن الاختلافَ بين الرسم و النحت يجب ألا يُنسى . إن فكرةً نحتيةً يمكن أن تكون مقنِعة للرسم تحتاج دائماً الى بعض التغيير حين تتحول الى منحوتة .
مرةً حين رسمتُ رسوماتٍ من أجل النحت حاولتُ أن أمنحَها وهمَ المنحوتات قدْر ما استطيع ، أي رسمتُ ـ من خلال طريقة الوهم ـ الضوءَ الساقطَ على جسمٍ صلب . ولكنني اكتشفتُ ، فيما بعد ، أن تحميلَ الرسم أكثر مما يستطيع ، لكي يُصبح بديلاً للمنحوتة ، يُضعف الرغبةَ بانجاز المنحوتة ، أو من المحتمل أن يجعلَ المنحوتةَ مجرّد إنجازٍ مَيْتٍ للوحة .
أتركُ الآن مدىً واسعاً في تأويل الرسوم التي أرسمُها من أجل النحت ، و أرسم غالباً متـّبعاً أساليبَ منسجمةً و مُسطّحةً دونَ وهمِ اللون و الظل ، لكنَّ هذا لا يعني أن الرؤية الكامنة خلف اللوحة ليست إلا ثنائية الأبعاد .
التجريد و السوريالية

أعتقدُ أن الخلافَ العنيفَ بين التجريديين و السورياليين غيرُ ضروريٍ اطلاقاً . ذلك أنَّ الفنَ الجيدَ يتضمنُ عناصرَ تجريديةً و سورياليةً كما يتضمّن عناصرَ رومانتيكية و كلاسيكية : النظام و الدهشة ، الفكر و الخيال ، و الوعي و اللاوعي . إن كلاً من جانبَي شخصيةِ الفنان يجبُ أن يلعبَ دورَه . و أعتقد أن الاستهلالَ الأول للوحةٍ أو لمنحوتة يمكن أن يبدأ من كلا الجهتين .

أحيانا أبدأ لوحةً دون أن تكون هناك مشكلة ٌ واضحة ٌ تحتاج الى حل ، و ذلك حين أرغب باستخدام قلم الرصاص على الورقة لصناعة الخطوط و الأساليب و الأشكال دون هدفٍ واعٍ ، ولكن بينما تسحرني النتيجة تومض فكرة ما و تتضح ، ثم تتدخل السيطرة ُ و التنظيم . أو أحيانا أبدأ بموضوعٍ محدد ، أو أحل ـ في قطعة حجرية لها أبعادٌ معروفة ٌ ـ مشكلةً نحتيةً طرحتـُها على نفسي ، ثم أحاول ، بوَعي ، أن أبنيَ علاقةً منظَّمةً من الأشكال تعبر عن فكرتي . ولكن اذا كان الأمرُ أكثرَ من تمرينٍ نحتي ، تخطر قفزاتٌ غيرُ قابلةٍ للشرح في سيرورة الفكر، و يلعبُ الخيالُ دورَه .
يمكن أن يبدوَ مما قلتـُه عن الهيأة و الشكل هي انني أعتبرهما غايتين بحد ذاتهما . بعيداً عن ذلك ، أنا أعي جيداً أن العاملَ السيكولوجي و التداعي يلعبان دوراً كبيراً في فن النحت . و ربما يعتمدُ معنىً و دلالة َ الشكل على التداعيات التي لا تـُحصى لتاريخ الانسان . مثلاً ، توحي الأشكالُ المستديرة بالخصب و النضج ، ربما لأن الأرض ـ صدر المرأة ـ و معظم الثمار هي مستديرة ، هذه المظاهرُ مهمة لأنها تمتلك تلك الخلفية في عادات إدراكنا . أعتقد أن العنصرَ الإنساني العضوي يمتلك دائماً ، بالنسبة إليّ ، أهميةً أساسيةً في النحت ، و يمنحه حيويته . إن كلَّ منحوتةٍ معينةٍ أصنعُها تأخذ في ذهني شخصيةً انسانيةً أو أحياناً شخصيةً حيوانية ، و هذه الشخصية ُ تسيطرُ على تصميمِها و صفاتـِها الشكلية ، و تجعلني مقتنعا أو غير مقتنع بالعمل كما يتطور .
إن هدفي و اتجاهي يبدوان متآلفين مع هذه القناعات ، رغم أنهما لا يعتمدان عليهما . إن نحتي يصبح أقلَّ تمثيلاً ، عن كونه نسخةً بصريةً خارجية ، أو ما يُدعى بالمجرَّد ، و بهذه الطريقة أستطيع أن أقدّمَ المحتوى السيكولوجي الإنسانيَ لعملي بوضوحٍ و توترٍ كبيرين .


* أسامة أسبر ، كاتبٌ و مترجمٌ سوري .
* قسطنطين برانكوزي (1876 ـ 1975) ، نحاتٌ شهير ، من أصل روماني ، أمضى سنوات طويلة من حياته في فرنسا ، التي توفي و دُفن فيها .



المصدر:

Herschel B. Chipp
Theories of Modern Art
A Source Book by Artists and Critics
University of California Press
Berkeley, California


.





 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6213148   Visitors since 7-9-2002