المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

محاورة أستير سيليغسون مع سيوران

  
  



أستير سيليغسون Esther Seligson : يقال إنك متشائم.
سيوران : ليس صحيحا. أنا لا أملك أيّ إنطباع بأني متشائم. لست مبالغا ، فما أقوله هو الصدق بعينه. ربما أنا أقبض بقوة على الواقع ، لكن لهذا تبريره ، فقد كتبت دائما في لحظات الضيق فقط ، حين تصبح هذه الكتابة شيئا من نوع العلاج ، وفق فهمي. لايكتب الإنسان حين تمتلكه الرغبة في الرقص. لكن هناك الذين - ولا أقصد الأساتذة الجامعيين وحدهم - هم قادرون على الكتابة في وضع محايد. عموما تكون الكتابة عديمة النفع لكن طالما لا أحد بمستطاعه أن يعمل شيئا لأيّّ أحد فهو يعمل ، وعلى الأقل ، شيئا لنفسه - ( يشفي نفسه ) ولو للحظة. الصفحات الأكثر قتامة التي كتبتها دفعتني فيما بعد الى الضحك. وعند قرائتها مرة أخرى تبدو باعثة على القنوط ، حينها أقوم بتعديل الأسلوب فقط وليس الأفكار. لو كنت متشائما حقا لما قرأتني أكثرية الناس ، بل هم يعتبروني ( مشجعا بالصورة الإيجابية ). أنا ُمحسِن بالغ الصغر. إلا أن دوائي لا يفيد كل واحد.
سيليغسون : هل تبدلت رؤيتك لروسيا وأوربا بعد كتابتك ( التأريخ واليوتوبيا ) ؟
سيوران : كلا ، في الأساس. روسيا تثير إهتمامي ولأن أدبها يملك أكبر تربة. لكن إذا تعلق الأمر بالشعراء فلا أحد بمقدوره أن يضاهي الإنكليز. للأدب عبقرياها : شكسبير والرؤوي visionary دوستويفسكي بسبب بعده الديني الذي يحاذي الخبال لكن في الوقت نفسه التجسيد الأكمل لهذا البعد. إن شخصية كيريوف لا ُتقهر. لقد حوّل دوستويفسكي حالاته الباثولوجية الى رؤى. للوهلة الأولى قد يبدو َمرَضيا ، فهو قد رفع داء الصرع الى مرتبة الميتافيزيقا. أنا أعتبر نفسي شخصا يعاني من الصرع. شكسبير ودوستويفسكي وسماني بميسمهما عميقا. وفيما يتعلق بكتابي ( التأريخ واليوتوبيا ) تقف عند بدايات الكتاب ماريا تسامبرانو M.zambrano التي تعرفت عليها في مقهى ( Cafe de Flore ). تكلمنا عن أساتذتها – عن أورتيغا Ortega – وعن اليوتوبيا. قلت لها بأني سأكتب شيئا حول هذا الموضوع. وهكذا ظهر الكتاب. إن ضد اليوتوبيا الأجمل كتبها سويفت رغم أن غوليفر هو نفسه يوتوبيا. ومقارنته بين الإنسان والأحصنة أي نقيض للإنسان كانت أفظع وصف للإنسان يمكن تصوره. إنه فكاهة سوداء ذات بعد مطلق. إن صفة اليوتوبيا هي الإفتراض بأن حالة الكمال ممكنة. وإذا خصّ الأمر أوربا أعتقد أنها في النهاية ستخضع لروسيا. لا أقصد هنا العدوان بل الضغط المتزايد على أوربا المنهكة. مثل هذه الرؤيا إمتلكتها على الدوام ، ومنذ أيام المدرسة الثانوية. حينها قرأت ، بنهم ، اللاهوت الروسي. كان أبي قسا أرثوذكسيا مرؤوسا لأسقف إمتلك مكتبة بالألمانية حول موضوع الروس الذين كانوا يؤمنون ، ومن دون ذرة من الشك ، بأن واجبهم تحرير العالم. ليس مهما بأيّ طريقة سيحصل التحرير، بل إرادتهم في تحقيق هذه المهمة التي منحت المعنى لروسيا كأمّة . في الوقت نفسه كفت شعوب أوربا الغربية عن الإيمان بالنفس ، فهي قد إستهلِكت. بالطبع أنا أتكلم عن واقع تأريخي معيّن و ليس عن آخر آيدولوجي أو سياسي. الإيدلوجيا تعني ضمنيا على الدوام وضعا محليا في حين أن البعد التأريخي هو أوسع. غير أن الصيغة السياسية هي دائما الجواب على الوضع الوقتي.
سيليغسون : أما زلت تعتبر نهاية التأريخ كارثة ؟
سيوران : كلا. أعتبر أن الإنسان قد ُحكم عليه لكني لا أعرف كيف ستكون نهايته ، فالإحتمالات هنا متنوعة. بالطبع أنا أؤمن بمصيره التراجيدي. الكلام عن القنبلة النووية هو مبتذل لكن هذا هو الواقع. الكارثة سوف لن تكون تامة ، والأدق : ستختفي أوربا والولايات المتحدة وروسيا. الكارثة النووية أصبحت مثل حارسة بيت caretaker عادية رغم أنها رؤيا ممكنة ومبرَّرة لكنها أيضا غير مشوّقة. المثير للإهتمام فقط هو المصير الذي ينتظر الإنسان كمغامر بطبيعته ، وبمعزل عن كل هذه " الحوادث " سوف لن يموت في فراشه. وإذا جرت الأمور على أحسن ما يرام فسينتهي كمنحّط ، كائن عاجز ، كاريكاتور لنفسه. حيوان منحلّ ، غير قادرعلى التجدد الى ما لانهاية نظرا َ لإيقاع التأريخ المتسارع ، لكن قد يعيش لبضعة قرون كما النبتة ، ككائن باق على قيد الحياة حسب. إن كل ما يعمله الإنسان يتوجه ضده ، هكذا هو مصيره والقانون المفجع للتأريخ. نحن ندفع ثمن كل شيء - ثمن الخير، والشر أيضا. وهذه هي السخرية الكبرى للتأريخ كقدر للإنسان يكون تفسخا بلا إنقطاع. لكل شيء توجّهٌ – عدا الإنسان ، هذا المتعصب القابض بكل قواه على أهدافه الخاصة. وكل متعصب هو نتاجُ لتصوِّر من تصوّرات الله. وهل بالإمكان أن يحيا إذا لم يؤمن بالتأريخ ؟ وهل للحياة معنى ما ؟ عند الإشتراك في الدفن لانقول بأن معنى الحياة كان أن نموت. ليس ثمة هدف بحد ذاته. إن وهم الهدف هو المحرِّك الكبير إلا أن من يملكه لا يعرف بأن ذلك هو محض وهم. غير أن التعرف يعتمد على وعي واضح وكما الحال مع كل شيء ، والبقية كلها هي الحياة ( و ليس بالضرورة أن تملك هذا القدر الكبير من الأهمية ). طيّب ، هكذا تبدو رؤياي ، وفي المحصلة النهائية هي تفاؤلية طالما لا يدمر الإنسان نفسه بنفسه ، بيديه...
سيليغسون : قلتَ بأن الوطن الوحيد هو اللغة التي تعبّر فيها. وعليه تكون الكتابة لديك نوعا من وثيقة الهوية.
سيوران : هذه صياغة صائبة بما فيه الكفاية. في ( رسالة الى مؤمن ) كتبتْ سيمون فايل simone weil : “ إن تغيير الدين هو قضية جادة وخطرة كما يكون تغييراللغة لدى الكاتب ". بالنسبة لي أنا الذي قبلت وضع غير المنتمي الى أي دولة ، تكون اللغة مرساة ، سندا ، وثوقا. الإنسان هو قومية ، الإنسان هو لغة. عداه يصبح كل شيء مجردا وغير فعلي. إذن – نعم ، الوطن هو اللغة ، أما أنا فقد تخلصت من القومية. بمعنى ما تحررتُ ، لكن يتبين أن هذا شيء مؤلم أيضا. بالنسبة للشاعر يكون هذا الشيء كارثة.
يليغسون : هل تسحرك باريس كما في الماضي ؟
سيوران : عبدتُ باريس على طريقة عبادة الأصنام. لكنها أضجرتني. فأنا أتقدم في العمر ، والمدينة أيضا. والسحر وصل الى نهايته. وإذا لم أترك المدينة فالسبب يعود الى أني قطنتها أربعين سنة. إلا أنها لا تلهمني الآن. قبل الثورة الفرنسية كتب شامفور Chamfort : “ باريس ، مدينة النور ، مدينة الملذات والتي يموت كل ساكن خامس فيها بسبب الهموم". إنها مدينة حزينة. مهملة . تحولت الى جحيم - أو كابوس – لا أستطيع تركه. أنا لا أقدر على العيش في مكان آخر.
سيليغسون : كيف كانت علاقتك بهنري ميشو Henri Michaux ؟
سيوران : عرفته لأكثر من ثلاثين سنة. تفاهمنا بصورة جيدة جدا وكنا صديقين على الدوام. ساعات بكاملها كنا نثرثرعبر الهاتف وكنا نلتقي طوال الوقت. لم يكترث للسن ، فعلى الدوام كان بالغ الحيوية مشاكسا ، منتقِدا و مضحكا. الحياة حافظت عليه بصورة غريبة ، وأنا شعرت بأني أكبر منه سنا. لم تكن فيه تلك المرارة التي تأتي مع التقدم في العمر، وغالبما كنت أباغته وهو متفائل. كان ميّالا الى الهزء والسخرية. خلق إنطباعا وكأنه منفصل عن العالم لكنه كان مطلعا بصورة رائعة على كل شيء وخاصة الفلم. حياته كانت نجاحا ولأنه عمل الشيء الذي كان يرغبه. كتب ودرس. لم يكن فاشلا ( أكثريتنا هي فاشلة وفق معيار معيّن ، و بالنسبة لي يكون نجاحا هو أني فاشل رغم أنه كان بمقدوري تحقيق المزيد ) ، ولذلك فموته لم يكن فيه أيّ شيء محزن. أنا أشعر بالضعف إزاء جميع الذين لم يحققوا ما أرادوه. كنت قد إتهمته بأنه مهتم بإختفاء محتمل للإنسان ، وهكذا فمثل هذه السذاجة عند إنسان ذكي وذي بصيرة نفاذة تثير إستغرابي. لدي أيضا عتب عليه ، فهو قد حاول بحماس بالغ أن يعمّق موضوع المخدرات. ليس على الكاتب أن يبالغ في تعميق موضوعه ، فهذا يهدد بخطرأن يكون شبيها بالعالِم. على الكاتب أن يوحي. ميشو كان يمتلك روح عالِم ، وأراد أن يكون طبيبا لكنه ترك هذا السبيل. بالنسبة لي هو مثال الإنسان الذي حقق ذاته.
سيليغسون : الإنسان يسحرك ، أليس كذلك ؟ رغم ذلك فأنت تتوجه ضد الإنسانية. قد يكون العكس هو الصحيح ؟
سيوران : يهمني ، بالطبع ، المعنى المزدوج للإنسان. الناس يثيرون فيّ الفزع لكني لست كارها للبشر. ولو كنت شخصا ذا قدرات - ربّا أو شيطانا – لإستثنيت الإنسان من الوجود. كل شيء عنه قيل في ( سفر الأنواع ). جذبه كل شيء كان ينكره، إذن إختار المجازفة أي التاريخ. منذ البداية أساء الإختيار ، وبدون هذا الطرد من الجنة لما كان هناك التأريخ. لقد إختار لنفسه وضعا تراجيديا... كلا ، ليس ( سفر الأنواع ) وحيا َ ، بل مركز رؤية معينة لفهم الإنسان. والناس الذين كتبوا هذه الأسفار وتكرسوا للتفكير العميق ( كان متوفرا لديهم الوقت ) أدركوا حين راقبوا تطور التاريخ ، هوية الإنسان ومصيره ووضعه. فهو قد إختار المعرفة وبذلك إختارالدراما. والمغامرة البشرية بدأت من العجز عن التواضع. الرب طلب التواضع من الإنسان ، طلب منه أن يمكث هادئا في زاويته ولا يتدخل في أيّ شأن. إلا أن الإنسان هو فضولي فظيع وشيطانيته تعتمد على هذا الشيء ، وإذا لم ُيعترف بها يكون من غير الممكن فهم التأريخ. أنا لا أؤمن بالفهم المسيحي للخطيئة الأولى لكن بدونه يصعب فهم التأريخ العام. لقد كانت الطبيعة البشرية فاسدة في البذرة. كلا ، أنا لا أتكلم مثل المؤمنين لكن بدون هذا المفهوم لا أعرف البتة كيف أفسر ما حدث. أنا أتقبل موقف اللاهوتي غير المؤمن أي اللاهوتي – الملحد.
سيليغسون : لو ُعرضت عليك الأبدية أيّ عالم ترغب رؤيته أكثر من غيره ؟
سيوران : لا أقدر على الأجابة ، ولربما حين أؤمن بفعلية اليوتوبيا. في الأساس يكون لدي الأكثر إثارة للإهتمام تلك الأمور التي ليس لها جواب في الحياة ، و في الحقيقة تحصل هي لأكثر من مرة بفعل المصادفة لكنها ليست بأجوبة. بالنسبة لي ليس ثمة هناك أيّ يقين. فأنا شكوكي...

* نشرت هذه المحادثة في مجلة " فويلتا Vuelta " المكسيكية في شباط عام 1985 . و الجدير بالذكر أن هذه المجلة أسسها أوكتافيو باث في عام 1976. المترجم

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6047583   Visitors since 7-9-2002