المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

القاصة العراقية ميسلون هادي : نعيش عصر انقراض الانسان!

  
حاورها في بغداد ناظم السعود
  

منذ سنوات افتقد الوسط الادبي والصحفي في العراق اسماً بارزاً كان له اجتهاده

وفاعليتــه في الكتابة القصصية والصحفية وأعني بذلك القاصة المعروفة ميسلـــون هادي التي برزت بقوة منذ ثمانينيات القرن الماضي وكان لها مدونات سردية متميــزة ان كان في حقل القصة والرواية وفي كتابة المقالة والحوار والنقد الصحفي.
وقبل نهاية العقد التسعيني اضطرت هذه القاصة والزميلة النشطة الى مغادرة العراق في رحلة شتات الى الدول القريبة والبعيدة واصبحنا نعرف أخبارها من الصحف العربية ومـن خلال شبكة الانترنت.. وقبل أيـــام كنت اراجع ارشيـــفي الشخصي فوجدت حواراً كنت قد أجريته مع القاصة ميسلـــون هادي في بغداد في اواسط العقـــد التسعيني واكتشفت انــه لايزال ساخناً وقادراً ان يعيد الى الذاكرة الثقافية وجهاً ادبيـــاً أليفاً ما زال بيننــا وتحف بنا أنفاسه وإبداعاتـــه رغم ابتعاده الجغرافي.. وهنــا قمت باعداد الحوار لتظهر بصمات القاصة بالرغم من غيابها الجغرافي.

مع هذه القاصة أجد لزاماً علي أن أكتب مقدمة اخرى تعنى بتقديم وقفة مع (القصة) لا مع القاصة بسبب حاجتنا الى فك معضلة اشكالية لم تحل بعد.. هذه المعضلة تكونت أصلاً من عدم ظهور توصيفات نقدية دقيقة تجذر وتقنن طبيعة الاتجاهات والمتغيرات التي شهدتها القصة العراقية منذ نشأتها قبل أكثر من سبعين عاماً وتضارب وجهات النظر في النتاج القصصي وعدم بروز (حالة اتفاق) معلنة تلم بأبرز المراحل والتيارات والمناهج.
ان نصف قرن من (القول) النقدي ليست كافية على ما يبدو في التوصل الى سمات محددة وواضحة تحكم المسارات القصصية وتجتلبها الى منطقة الوضوح وهذا ما يجعل الركون الى رؤية مشخصة لتحولات وموجهات القاص العراقي أمراً مستحيلاً نظراً لعدم ارتقاء النقد الى وظيفته كمشارك وموجه للنوع الادبي لا شارحاً له فحسب، من هنا لا نجد بداً من التوسل بخلاصات عامة ومكرورة حد النسخ يمكنها ان تحيط بأهم الاثار والاسماء التي قدمت اضافات لا تنكر ضمن أية رؤية تقويمية للمسيرة القصصية ولكن المؤكد ان الاضافات هذه التي أحدثت منعطفات بارزة ترجع أصلاً الى جهود المبدعين أنفسهم لا الى المقولات النقدية التي اتسمت بالتسرع والاختلاف والمعالجة الأحادية مما اوقعها في حالة أقرب الى التراجع أمام تصاعد المد القصصي وثرائه.
ان هذا الخلل المريع هو الذي جعل المنجز القصصي أكثر قدرة على بلورة قناعات راسخة نسبياً بشأن الاسهامات الجادة التي قدمتها أسماء امتلكت قدرات تأسيسية في مجالها وفي ذلك يصح القول ان (تيار الوعي) هو نتاج جهد شخصي للقاص عبد الملك نوري وان القصة (الوصفية) او (الواقعية الافتراضية) هي من بعض ما قدمه القاص محمد خضير للقصة العراقية، كما ان القصة النفسية عرفت كثيراً من خلال القاص عدنان رؤوف ويأتي النص المنطلق او المفتوح لجهد ابداعي وتنظيري من القاصة لطفية الدليمي.. وهكذا.
وفي هذا السياق نفسه يرد اسم القاصة ميسلون هادي كونها أسهمت بجدية واضحة في ان تدعم ما يمكن تسميته بـ (القصة الايهامية) وان أذابت في حساسيتها الابداعية جهوداً سابقة او محايثة لها ومع ان هذه القاصة المجدة لم تقطع حيزاً زمنياً طويلاً من مسيرتها التي انطلقت ابتداء من أواخر السبعينيات الا ان ما قدمته في القصة القصيرة وقصة الطفل وقصة الخيال العلمي والترجمة يجعلها قادرة لما تتسم به من دأب لا يكل في ان تحدث الجديد الذي ينسب اليها.. هنا في حوارنا معها أثرنا قصة (الايهام) ومسائل جدلية اخرى وعن هذه القصة التي تكتبها قالت:
ـ هناك حياة (في الرأس) موازنة للحياة التي تحدث في الخارج بمعنى ان الاشياء التي تحدث في الرأس لا تقل أهمية عن الاشياء التي تحدث في الحياة.. صحيح ان الاولى عملياً (اشياء لم تحدث) ولكنها بمعنى ذاتي (تحدث) حتى وان كان حدوثها وهمياً وعن هذه الاشياء التي تحدث في الرأس أكتب.. وعندما استعملت تقنية الايهام منذ البداية فذلك لانها تستجيب لطبيعتي في الحياة بمعنى اني أعيش حياة الرأس لا الواقع وقد يعتقد الكاتب ان حياة (الرأس) هذه تحدث له فقط او هي من امتياز العباقرة والمفكرين والفلاسفة في حين انها تحدث لكل الناس والاطفال ومن هنا تأتي أهميتها وضرورة تبنيها في الأدب.
@ ولكني أجد ان بذور الايهام قد بذرت اولا في مجموعتك الاولى (الشخص الثالث) ثم نبتت بسرعة في مجموعتك الثانية (الفراشة) الا ان نضوجها الكبير قد توضح تماماً في مجموعتك الاخيرة.. هل تتفقين معي؟
ـ نعم اتفق معك تماماً.. فكما قلت اني لا افتعل هذه (الحيلة) انما هي نتاج لطبيعتي في الحياة لذلك فانها ستبقى ملازمة لي طالما أكتب.
@ من أين يأتي كل هذا (المتراكم الشعبي) كالخرافة والمعتقدات والغيبيات في قصصك؟
ـ أنا آخذه من أفواه الاطفال والعجائز ولا آخذه من المرجع الورقي، انه جزء من الذاكرة الشعبية وهو خطير في أهميته لانه يلخص خبرة أجيال في كلمات قليلة. لقد كانت تسميات جدتي (رحمها الله) التي كانت تطلقها على المقتنيات والاشياء المعاصرة تسحرني وتجعلني افغر فمي وانا استمع اليها.. والان عندما أقرأ اية رواية عراقية أبحث عن الذاكرة الشعبية فيها لهذا ربما أحببت (الرجع البعيد) أكثر من أية رواية عراقية اخرى قرأتها.
@ هل لي ان اتساءل عن مساحة الحرية كما تظهر في منطقة الكتابة عندكِ منذ أكثر من خمسة عشر عاماً؟
ـ هذا سؤال مهم لانه بلا حرية لا يوجد ادب، في الشعر مثلاً يمكن المناورة بهذا الخصوص ويمكن للشاعر ان يكتب وهو يلعب بالكلمات ألا يقولون ان أجمل الشعر أكذبه؟!
أما في الرواية (على وجه التحديد لانها اكثر الفنون الادبية حاجة للحرية) فان اي حاجز تضعه امام عينيك وانت تكتب سينسف العمل من أساسه ويتركه بلا طعم ولا لون ولا رائحة والروائي يجب ان يتجاوز الرقيب ويكتب بأقصى الصدق المطلوب للكتابة، والصدق هنا لا يعني استعراض النفس لان ذلك ايضاً سينسف العمل الروائي ويحوله الى (فاترينا) انظر كم أعجبنا كونديرا وريمارك وماركيز كمعاصرين وقبلهم عشرات الاسماء المعروفة من الكلاسيكيين ذلك انهم نقلوا تجربة عصر باخلاص شديد وبلا خوف من الرقابة.
في الرواية العراقية يلجأ الكاتب اما الى تغييب وجهة نظره او الى جعلها مطابقة لوجهة نظر الرقيب، واستثني الأعمال الذهنية لانها تشكل خروجاً او هروباً من شرط الحرية.
@ كيف تنظرين الى المرحلة التي نعيشها؟ وما الذي تدعين اليه؟
ـ اننا نعيش عصر انقراض الانسان وقد ولى عصر الرومانسية التي داعبت مشاعر الانسان في الماضي، لقد سحر الشرق والغرب برومانسيته وروحانيته ومن المؤلم ان يتخلى هذا الشرق عن رومانسيته تحت اقدام (الشوء بزنس) الاميركية! فمن يعيد لنا رومانسيتنا؟
الفن والادب قد يفعلان ذلك ولو بحدود لذلك فانا أدعو بقوة الى عودة الرومانسية في الادب والحياة ايضا، فنحن شرقيون أولاً وأخيراً ويجب أن نتمسك بذلك ونتباهى به.
@ انت تعملين في الصحافة الثقافية منذ سنوات طويلة وأنا أجد ان بعض خصائص العمل الصحافي قد تسلل الى بعض قصصك.. هل توضحين لي هذا الجانب؟
ـ لقد أعطيت للصحافة أحسن ما عندي وأعطتني أحسن ما عندها، أما الذي أسميته بالتسلل الصحفي فأني اسميه المعاصرة لان الكتابة العصرية يجب ان تكون بسيطة وبليغة في الوقت ذاته واضحة ومختزلة ومعدة لكي تصل الى انسان معاصر (فأنا أؤمن برسالية الأدب) اي باختصار شديد:
مكتوبة لكي تقرأ وتفهم وهذا يقودنا الى الحديث عن كتّاب النخبة (سأسمح لنفسي ان اسمي محمد خضير واحداً منهم) هؤلاء الكتاب هم أقصى السلسلة المكونة من ثلاث حلقات (كاتب النخبة ـ الكاتب ـ القارىء) بمعنى ان اؤلئك الكتّاب يكتبون لكتّاب آخرين ولا يكتبون للقارىء وعلى الأغلب فان كتّاب النخبة لا يفكرون بالقارىء! لذلك تأتي كتاباتهم محدودة التداول اذ انها ذات طبيعة انتاجية تثقيفية بمعنى انها تنتج أدباً للكتابة وليس أدباً للقراءة!!.

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6057088   Visitors since 7-9-2002