المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع أنيس الرافعي

  
منى توفيق
  

لا يمكنك صياغة مقدمة واحدة لكل الحوارات التي تجرى مع القاص المغربي أنيس الرافعي. يجب أن يكون لكل حوار مع هذا القاص الصدامي الخطير - حسب تسمية الكثيرين له- مقدمته الخاصة.
أنيس الرافعي قاص مغربي من مواليد الدار البيضاء سنة 1976 حاصل على الإجازة في الأدب العربي. يشتغل أنيس على جماليات التجريب في القصة المغربية فيقوم تارة بتمارينه القصصية وتارة أخرى ينجز تعاقباته القصصية وبعد هذا يصل إلى ملاحظات قصصية لا تبعده كثيرا عن متتالياته المابعد سردية ولا عن قصصه المينيمالية.
لأنيس الرافعي العديد من المساهات في المختارات و الأنطولوجيات القصصية. صدر له في القصة القصيرة:” فضائح فوق كل الشبهات “1999 بالاشتراك، ” أشياء تمرّ دون أن تحدث فعلا ” 2002، ” السيد ريباخا ” 2004، . المشرف الأدبي عن ” دار سعد الورزازي للنشر ” و هي دار متخصصة في الأدب الجديد التجريبي و مجموعة " البرشمان" عن منشورات الشاطئ الثالث 2006، إضافة إلى مجموعة "علبة البانادورا" 2007 عن الشاطئ الثالث أيضا. ويصدر له قريبا "ثقل الفراشة فوق سطح الجرس"قصص مني مالية.
المختلفون حول تجربة أنيس الرافعي لا ينكرون عليه تأثيره في المدار القصصي بالمغرب ما دام النّص القصصي عنده قام ولازال على هوية التجاوز و التخطي والتجريب على المستوى الدّلالي و الرؤيويّ.. هم لن ينكروا كذلك أنّه كان أقلّ حدّة و صداميّة في هذا الحوار الذي أجرته معه إيلاف على خلاف باقي الحوارات لكن هذه الحدّة و إن هدأت وخفّت تبقى موجودة ومركّزة بجودة من الدهاء الإبداعي!
و يبدو أن القاص المغربي أنيس الرافعي يحب نصوصه نفس القساوة التي يحب بها المثقفون المغاربة بعضهم!
** إلى أي حد يدرك أو يعترف أنيس الرافعي بأنه قاص شرير؟.
* إذا كان " الشر" الذي تتحدثين عنه بالمعنى والعمق والنبل، الذي أعطاه له جورج باطاي، وهو يتحدث عن بودلير ورامبو وكافكا ولوتريامون ضمن مؤلفه " الأدب والشر"، فلا أرى غضاضة في القول أني أدرك وأعترف بهذه " الفضيلة ".
**هل يعنيك التجريب أكثر من القصة؟ وهل تصارحنا إن كنت ترى أنيس الرافعي المجرب الحقيقي الوحيد في معمل القصة المغربية؟.
* تعنيني القصة كعقيدة أجناسية أو على تعبير جوزيف ريد في كتابه" مجتمع القصة القصيرة "، تعنيني باعتبارها " ديانة أدبية بالغة السرية، لاتدخل ضمن أي شكل من أشكال المطلق". كما أني منشغل بالتجريب باعتباره إستراتيجية جمالية تحمل باستمرار بذور عدميتها وفنائها حتى لايدخل فن القصة دائرة الإقرار. ومن هنا، فليس ثمة – في مشغلي الخاص والمفتوح- من انفصال أو انفصام - بالمعنى الإكلينيكي - بينهما.
أما المصارحة التي تتطلعين إليها، فادعاء فارغ وغير مفيد، خاصة لواحد مثلي تشغله التنمية المستدامة لهذا الجنس الأدبي الإشكالي، ويتناهبه حلم تشكيل" مدرسة قصصية مغربية " قوية بكل مدبريها وتياراتها وحساسياتها.
**في نظرك، لماذا يصر أغلب المشارقة كتابا كانوا أم نقادا على أن المغاربة متفوقون في النقد وضعيفون في الإبداع؟.
* في تقديري الشخصي غير الملزم، هذه مقولة عتيقة ولم تعد تتمتع على أرض المنجز بأية حجية أو موضوعية. بل، قد أذهب معك أبعد في تقويض ونسف هذا الطرح من جذوره لأقول بأنها مقولة " إقليمية" و" شوفينية " إلى أقصى الحدود. الأدب لا هو مشرقي ولا مغربي. الأدب كوني بامتياز. وكل من المشرق أو المغرب مازالا للأسف الشديد، بعقود زمنية كثيرة، خارج هذه الكونية.

**هل ترافقك وجوهك السردية المتعددة في حياتك اليومية؟ هل تلبسك وتعيش الحياة بدلا عنك محتكة بالآخرين بهواجسها وخطوطها الخاصة؟.
* أنا لا اصطاد وجوهي السردية من الحياة اليومية، لأنني –ومن غير مبالغة- كاتب غير واقعي. شخصياتي أصنعها بيدي قطعة فقطعة كما يقوم بذلك الخزاف في إحدى قصائد يانيس ريتسوس. الخيال هو مادتي الخام وهو أيضا الواقع الحقيقي بالنسبة لي. الخيال هو منصة الانطلاق صوب الواقع، والواقع لايعدو أن يكون ظلا أو بعدا موازيا للخيال.
** هل نسل القصة بالمغرب نسل جيد، له إله مختلف؟
* التاريخ ونظرية النشوء واﻹرتقاء الأدبيين، هما من سيحسمان في جودة أو رداءة هذا الجينوم. أما القصة فلا اله لها سوى النص الجيد، الذي يجب ما قبله، ويجعل الحياة عسيرة بالنسبة لغيره من النصوص.
**هل انتقلت فعليا للتجريب النقدي لتصير ملاحظا نقديا وربما مخربا نقديا بالمعنى الايجابي؟
* لست ملاحظا نقديا ولا أتوق إلى أمر كهذا، ﻷن لهذا المجال أصحابه وهم أجدر وأعلم مني باوالياته وخباياه. كل ما في الأمر، أني اقترف بين الغفلة والأخرى شهادات وانطباعات شخصية لإضاءة كواليس مشروعي السردي الخاص. وهي لاتتجاوز مرتبة السيرة النظرية المصاحبة لما أنجزه من قصص. وإليك فيما كتبه القاص العراقي محمد خضير عن قصصه " رؤيا خريف" في " الحكاية الجديدة" أسوة حسنة.
** أنيس، هل نصوصك تمر دون أن تحدث فعلا؟ وهل أمسكت السيد ريباخا قبل أن يرميك في عربة الروبابيكيا؟ وهل كان برشمانا أم إبرة من الخيط تلك التي سمعنا عنها؟ وهل كان كل ما في علبة الباندورا ناضجا؟.
* كل القصص التي كتبتها إلى حدود الآن شيمتها النقص وملؤها اللايقين. ولربما، هذا مايسوغ ما أمارسه من انتقالات أسلوبية بين مجموعة وأخرى. أما النضج، فابتهل إلى الله عزو جل أن لايطالني، لأنه مرادف للاطمئنان وغياب القلق. وهما من المحظورات الشرعية لكل كتابة حقة.
** هل بدأت في كتابة الأفلام التجريبية أو المسرحيات التجريبية؟ أم لم تراودك الفكرة بعد؟.
* إخلاصي الحديدي لجنس القصة، يحتم على أن لا أقتحم مجالات لا أفهم فيها. أنا مجرد قاص فقط. قاص لاغير. ولا أعرف أن أكون شيئا آخر غير هذا.
**متى سيحب الكتاب المغاربة بعضهم كما ينبغي؟.
* هم يحبون بعضهم فعلا، لكن على طريقتهم الخاصة. الحب بصيغته المغربية كان وسيظل دائما أساسه القسوة.
**ما رأيك في الحديث قليلا عن استوزار ثريا جبران؟.
* منذ مدة غير هينة، وأنا أعتبر نفسي من الجالية المغربية المقيمة في المغرب، لذا لا أحب التدخل في الشؤون الداخلية للبلد الذي يؤويني.
**هل سنقول " أنيس الرافعي عاش قاصا ومات قاصا" عقيدته الوحيدة هي القصة القصيرة؟ أم أن الرواية تغريك قليلا ولم يبق إلا القليل وتركض إليها؟.
*الرواية لاطاقة لي على مزاولتها، خاصة بالشكل الجهنمي والمركب الذي أتذوقه عند أسماء مثل ساراماغو و يلينيك وكونديرا وكويتزي وماركيز وكورتاثار و موراكامي وأ وستر وروث وسالنجر وطابوكي وتانيزاكي وباموق. كما أنها نوع أدبي يستتبع الإيمان بالمجتمع والتاريخ، بينما أنا بصفتي القصصية أفضل أن أكون تحت المجتمع وفوق التاريخ.

**هل هو زمن البيانات القصصية في المغرب؟.
* ولى، بالتأكيد، زمن البيانات. لكنها، كانت ضرورية في مرحلة زمنية معينة للتنفيس السيكولوجي لذائقة إبداعية بديلة، وكذا للإعلان عن ولادة جيل قصصي جديد برؤى وتصورات مغايرة.
**في حوار سابق قلت " المشهد القاتم في اتحاد كتاب المغرب قد اختفى الآن تماما مع مقدم الرئيس الجديد، الأستاذ الناقد عبد الحميد عقار، الذي أتى مدججا برمزية وازنة وتاريخ نضالي مشرف. ويمتلك، بالتأكيد، مشروعا واضحا وحداثيا لتطوير البنيات المتهالكة للثقافة المغربية". هل لازلت على نفس قولك بعد مضي وقت لا باس به عن تولي عقار لرئاسة الاتحاد؟.
*عقار هو عقار، واﻹتحاد هو اﻹتحاد. عقار بين، واﻹتحاد بين، وما بينهما أمور يطول شرحها. وأنا أفضل، في هذه اللحظة بالذات وبكل المسافة الضرورية للحياد النقدي، أن أيمم شطر الكتابة فقط وأن لا أزج بها في قضايا لاطائل من وراءها أو بالأحرى لم تعد تستأثر بدائرة اهتماماتي الأثيرة.
**جماعات" الرماديون، الغاصبون الجدد، الكوليزيوم القصصي... أنيس، هل كنتهم أم صاروك؟.
* أنا الآن أخال أني أمشي وحدي... أ مشي بين السكين والتفاحة... أ مشي واحدا، لكني غفير.. أنا الآن – كما قال الراحل سركون بولص- " وحدي في الغابة، والغابة أنا ".
** إلى متى ستظل القصة القصيرة مظلومة في عالمنا الأدبي رغم أن الحكي هو أصل كل إبداع؟.
* ذلك ما ارتضته لها مؤسسة الأدب بأقدارها الجائرة وتقسيماتها الطبقية للعمل الحكائي. القصة كانت وستظل دائما سليلة " الجماعة المغمورة" حسب تصور صاحب " الصوت المنفرد" فرانز أوكونور.
**هناك حديث لاينتهي عن التأثير الايجابي للقصة القصيرة على المسار الثقافي بالمغرب. هل تتفق مع هذا الحديث أنت العدو الأول لكل نص رديء؟.
* أتفق تماما، ﻷن كتاب القصة في المغرب هم الصوت الأوحد والحقيقي للمعارضة الثقافية في المغرب.
** أنيس، إذا كانت كل قصة مغربية جديدة أو كل مجموعة قصصية جديدة هي البديل المنطقي عن جثة مهاجر يلفظها البحر أو أذن انتحاري مرمية على رصيف شارع أو بديلا وجوديا لمبدع لايهتم لحجم الندب داخله... فهل تكون عندك طاقة متجددة تتقاذف و إياها بنرجسية لاتنتهي؟.
* حسب ظني، القصة القصيرة، خاصة التجريبية منها، لاتحقق الكثير من اﻹرتباط العاطفي المنتظر منها تجاه الواقع، لأنها فن غير ايديلوجي بخلاف الرواية التي لايتم إنتاجها دون ممارسة إحساس قوي ب" الخارجية "، بمعنى عدم انفصال المتخيل عن وظيفة إعادة إنتاج الواقع، مما يتيح للمتلقي إمكانية تشكيل موقف تجاه قضية هي قضيته في المقام الأول. القصة القصيرة هي فن جمالي خالص، يحصر نفسه في منطقة اللغة تحديدا، ولاتهمها ضمن استراتيجيات الكتابة المعتمدة في تاطيرها وتصييغها تلك الخارجية إلا لماما.

** هل عقد النقاد المغاربة صفقة مع وزارة الثقافة على استفزازها ووضعها في خزانة الأدب كجنس غير مرئي؟.
* بكل صدق ونزاهة، لاعلم لي بصفقة من هذا النوع.
** تقول انك تعرضت لعدد لاباس به من محاولات الاغتيال الأدبي، فما رأيك بمحاولات الاغتيال الأدبية الرقمية كنسخة جديدة؟.
* ما قلته لاينطبق علي فحسب، بل هو تعبير عن إحساس جمعي حتى وان كان قهريا. جيلنا كان مظلوما لأنه ولد في زمن الانهيارات والخيبة.
أما عن محاولات الاغتيال الرقمية، فنسخة متطورة ومعدلة عن هذه الجريمة البيضاء، التي تسمى"المجايلة".
** أخيرا، ما الذي يرى أنيس الرافعي أنه أضافه إلى المشهد القصصي المغربي؟
* الإزعاج الجميل.
** كلمة أخيرة لايلاف وقراءها.
* لك مني أيتها العزيزة منى خالص آيات الشكر وبالغ الامتنان على هذا الحوار، الذي مكنني من تسليط ماتيسر من الأضواء الكاشفة على عملي المتواضع.



* عن إيلاف
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6448084   Visitors since 7-9-2002