المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

عن تجارب سامي محمد

  
د . شوقي الموسوي
  




















ثمة إطلالة تعبيرية في التشكيل العربي المًعاصر ، قد شكلت توجهاً حداثوياً ووجودياً في محاكاة الجوهر ولما هو مخفي ..لحظة اهتمام الفنان التشكيلي المعاصر في الوطن العربي بالمعنى ، بعيداً عن الموضوع في أغلب نتاجاته الفنية .. فالمعنى قد أصبح بمثابة كشفاً لحقيقة المستهلك المتمثل بالجسد المهمش ، المُحتفل بالعزلة وممارسات الاغتراب في كل المرات التي تجعلهُ يعيش محنة وطن .



جدارية حزن :

فالآخر قد لاحظ ان حروب الامس قد انتجت تساؤلات الحاضر التي احتوت الالم وابعدت الفكر عن العقلانية وعن الطبيعية ومن ثم التمرد على سلطة الايقون للكشف عن حالات انسانية ( البكاء – القلق – الموت – الشهادة – الصراع – الكآبة – البؤس ...) .. ان اغلب نتاجات التشكيل المعاصر في الكويت حاولت ان تمنح المفردة التشكيلية رسائل حُزن عميقة تتموضع في الجسد من خلال استعانة الفنان بخطوط قاسية وتضاريس حادة ، تتداخل كتلياً مع الفضاء المحيط ، ترسم ملامح شخوص المشهد التصويري في الكويت وما ينتظهرها من مستقبل في عالم مجهول !!...



انه عالم مليء بالمتناقضات والصراعات المنتجة للخراب ، حيث نجد ان نتاجات الفنان الكويتي بشكل عام والنحات "سامي محمد " بشكل خاص ، قد توشحت بملامح الفكر الوجودي ، الذي يجعلنا نستنشق في كل لحظات القراءة ذاكرة التاريخ الفني المُحتضن للالم الانساني بداً برسوم الانسان القديم ومروراً بلوحة الجورنيكا لبابلو بيكاسو المحتفلة بالموت والدمار الذي أصاب قريته الاسبانية بفعل الطائرات الالمانية ، فضلاً عن اعمال المستقبليين (بالا – بوتشيوني) واعمال السرياليين والدادائيين وصولا الى اعمال التشكيليين الكويتيين امثال الفنان الرائع معجب الدوسري عاشق البيئة والانسان الكادح ، بجانب الفنان خليفة القطان المُحتفل بعوالم الاحلام واللاشعور ذي الطابع السريالي ، فضلاً عن تجارب (أحمد الانصاري – عبدالله القصار – محمود رضوان – عبدالله السالم – ابراهيم اسماعيل – أمير عبدالرضا – محمد الدمخي ....) ذات الطابع التعبيري المحتفل بالذاتية .. فضلاً عن تشكيليوا العراق المتمثل باعمال النحات العراقي محمد غني حكمت والفنان علاء بشير التعبيرية التي تكشف عن سرائر الالم القديم وغيرهم من الفنانين . فالنحات "سامي محمد " بعد ان أسس الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية (1967) مع زملائه وبعد ان أكمل دراسته الاكاديمية في مجال النحت (1970) ، اطلع على ذاكرة التشكيل الفني فتبنى النزعة التعبيرية في الفن فظهرت شخوصه المقترحة مُكبلة بالقيود ومصلوبة على اعتاب الحرية الجديدة المكممة بالصمت !! اعلنت الحداد على الصمت لصالح البوح بالظلام المخيم على البلاد .



الفنان والفكر الوجودي في رحلة البحث عن الالم :

فنجد ان تكوينات النحات سامي قد أعطت صوراً انسانية تكشف عن الالم المستور والمسكوت عنه الذي شكل لحظة وجود حقيقية للفنان ، تستحضر عذابات الماضي المحتفلة بالحروب . فهو يرسم وينحت الآخر المظلوم باسلوب تراجيدي معبر عن الركام اللانهائي من الالم الذي يكشف عن ملامح الوجود المستلب والمنغلق على نفسه في الوقت نفسه .ان حضور الالم في اغلب اعماله اصبح بمثابة حضور ذاتيته في العالم الجديد ، محاولة من الفنان التركيز على الاعماق في كشف حقيقة الوجود المرئي ، التي مازال يعيشها الفنان بسبب العزلة هن الآخر (المجتمع) ، بدلاً من اللهاث وراء تمظهرات الايقون . ففي موضوعاته المتكررة في نتاجاته والمتمثلة بـ(الجسد) (الجسد المحطم – المقطع – المتشظي – العاري – الخائف – المهاجر والمُهجر ...) نلاحظ تركيز الفنان على موضوعة الجسد كعلامة وجود ، تختزل الخارج في الذات الانسانية ، عبر الازمنة والامكنة المستحيلة ، الى مزيج من ركام الالم والحب والموت والحرب ، تحكي قصة جسد بلا اوطان .



صراع الرحيل الى المجهول :

حاول الفنان سامي ، أن يصور من أمكنة لاتنتمي اليه مما ساهم في تعميق الاحساس بالاغتراب تجاه المحيط الذي انتج فيما بعد فجوات متعاقبة بينه وبين الآخر ، مما ساعد على الانقلاب على الواقع المعاش ومن ثم الدخول في عزلة مع الذات ومحنة مع الآتي وبالتالي الرحيل الى المجهول بحدود فكرة الصراع من أجل البقاء التي استوقفت ذاكرة الفنان في البحث عن الحرية للامساك بالمستحيل !! هذا الصراع قد تموضع في حركات أجساده المنحوتة ، المتهالكة والتي تبنت الايماءات والممارسات التعبيرية المُنفعلة ، لصالح البوح بالعدم والوهم والالم . ولهذا نجد ان لحظة اشتباكنا مع نصوص الفنان النحتية نلمس شيء من الصدمة والدهشة ، فالجسد هنا لم يكن كتاريخ مدون بقدر ماهو رمز للذات الانسانية ، يُحيل ذهن التلقي الى مرموز أوحد وهو الوطن .

الفنان والوجود الآخر :

ان المنحى الوجودي في أغلب نتاجات النحات الكويتي سامي ، قد أسست ثقافة الاحتفال بالمهمش والمتشظي ذات النزعة التعبيرية الواضحة في الملامح ، لتصبح الذات مصدر الكون والجمال والمعرفة والتي توجه الجدل نحو الكليات للامساك بالامل بمعناه الدلالي الذي يستعين بالذاكرة البكرية التي تحوي تاريخ الطفولة والبراءة والحب والحبيبة والارض ... حيث اتسمت اعمال الفنان بالبساطة في التكوين النحتي العام للجسد الانثوي على وجه الخصوص مقابل التأكيد على عنصر الحركة التي تمارس طقوسها في ذهن التلقي لحظة الاشتباك مع النص كأنها في لحظات تعبدية (خشوع – توسل – دعاء – استصراخ – مناجاة ...) فتأتي الحركة بمثابة صيرورة للوجود ، تُعبر عن حقيقة الزمان الوجودي ، الممتد بالذهن الى فضاءات لامتناهية من الالم فالتعبير اذن هو المطلب الاساسي والحقيقي للفنان حيث تتمفصل ذاتية الفنان مع ذاتية الشيء المرسوم فتتداخل لاجل التوحد فتكشف عن حقيقة الجوهر المسكوت عنه لحظة الفعل التعبيري .

خيال الفنان والجمال :

بحدود هذ التجربة الوجودية اصبح عنصر الخيال وآليات التخييل خياراً وجودياً لعب في تجربة النحات سامي دوراً مهماً في تأسيس القيم الجمالية في حدود مفهوم التشيؤ المًحتفل بمعطيات الخارج للارتقاء بالتكوين العام لمنحوتاته الى مناطق الجوهر ، مما يمنح اجساده قدرة على الاحتجاج ضد القيم الجديدة المؤدلجة التي مازالت تكبله ، لصناعة وجود آخر (الظل) تختاره ذاتيته بعيداً عن الآخر السالب .

بمثابة بداية:

يُعد موضوعة الجسد في تجربة الفنان الكويتي سامي محمد رمزاً للحرية التي يتوق اليها انسان العصر الحديث والتي تأتي –الحرية- بمثابة خروج عن الصمت الابدي ةالتمرد على ظلام الامس ، حيث يستجمع مشاعر الاغتراب في الروح والجسد على حدٍ سواء ،باعتباره وطن لابديل له أو سبيل غيره ، يكشف عن قصص وحكايات الصراع القائم بين الانسان الجديد ومفهوم الحرية المُغيبة في المُحيط .


www.shawqi-almusawi.net

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6109805   Visitors since 7-9-2002