المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع سيوران *

  
سيلفي جودو
  
ترجمة عدنان المبارك
  

سيلفي جودو : كتبت يا سيدي عددا من كتبك بالرومانية و أنت صغير السن. هل يمكنك أن تحدثنا عن الكتاب الأول منها والذي هو هجومي بشكل غير مألوف ( في ذرى اليأس ) ؟
سيوران : كتبته في سن الثانية والعشرين بعد إنهاء دراسة الفلسفة. هذا الكتاب الإنفجاري والباروكي يصعب ترجمته الى الفرنسية . لكن ترجمته الألمانية صدرت مؤخرا وكانت ناجحة جدا . الألمانية تصلح بصورة أحسن من الفرنسية لترجمة اللامحددات الإيحائية للغة الرومانية. هذا الكتاب هو من نوع مليء بالسعار والغيظ جاء حين توديع الفلسفة والتثبت من هزيمة شكل من التفكير. تبين أن هذا الكتاب ليس إلا تسلية غير مهمة وعاجزة عن مواجهة الفوضى الروحية الأعمق. و بسبب الأرق الذي عذبني و دمّرصحتي كتبتُ لائحة إتهام ضد الفلسفة غير المجدية تماما في لحظات الشدة ، وألقيت فيه إنذاري ultimatum المليء بالحقد. وكتابي الآخر ( مخطط الإنحلال ) أردته أن يكون مواصلة لذلك الكتاب ولو أنه جاء بأسلوب آخر.
سيلفي : كانت تلك الفترة حاسمة في حياتك ؟
سيوران : نعم ، فهي كانت لحظة الرفض العنيف. دراستي سحرتني ، وأعترف أيضا بأني كنت قد تسممت بالرطانة الفلسفية التي أعتبرها الان مخدرا حقيقيا. وكيف لي أن لا أنساق آنذاك لهذه الثمالة وأنخدع بمظاهر العمق الكاذبة التي خلقها ذاك المخدر ؟ النص الفلسفي المترجم الى لغة عادية يفقد بصورة غريبة وزنه. ولمثل هذه التجربة ينبغي إخضاع كل هذه النصوص . برأيي أن سحر اللغة يفسر نجاح هايديغير. كان هذا المضارب البارع manipulator يملك عبقرية لغوية حقيقية إلا أنه أساء الإستخدام حين إعترف للغة بدور بالغ الأهمية. وهذه المبالغة أثارت شكوكي حين قرأت في عام 1932 ( الوجود و الزمان ). إن عقم هذه الحيل أفزعني حقا. بدا لي أن أحدهم يريد خداعي بالكلمات. علي أن أشكر هايديغير على أنه بمخترعه اللغوي الخارق فتح عيني. أبصرت شيئا ينبغي بأي ثمن تجنبه.
سيلفي : إن نقدك لهايديغير يمكن وضعه جنب نقد برديائيف لهايديغير ، وهو فيلسوف ليس غريبا فكره عليك. أنا أستشهد الآن به : “ إن للمراتب العقلية لدى هايديغير إحالة الى تجربة وجودية لا توائمها ، و بهذه الصورة تنشأ مصطلحات لايمكن قبولها. وتظهر المصطلحات هنا أنها أكثر أصالة من الفكر " ( السيرة الذاتية ).
سيوران : في الحقيقة أنا كلي دهشة لشخصية برديائيف ، لكن معرفتي بكتاباته هي أقل من الأخرى التي تخص أعمال فيلسوف روسي آخر هو شيستوف والذي من غير حق أربطه ببرديائيف. شيستوف كان معروفا جدا في رومانيا ، وحتى أنه أسس هناك مدرسة للتفكير. كان فيلسوف الجيل الذي أنتميت إليه و لم يفلح في أن يحقق ذاته روحيا لكنه كان يحن الى مثل هذا التحقيق. وشيستوف الذي إستطعت إصدار مؤلفه ( رؤيا الموت ) في دار النشر ( Plon ) ، لعب دورا مهما في حياتي . أنا ما زلت مخلصا له رغم انه لم يحالفني الحظ كي أتعرف عليه شخصيا. كان هو قد إعتبر ، وعن حق ، أن القضايا الحقيقية تفلت من الفلاسفة. فأيّ شيء يفعلوه غير حجب العذابات الحقيقية ؟
سيلفي : هي سعادة حقا أن سوط نقدك لا ينزل على ظهور جميع الفلاسفة.... يبدو أنك إهتممت ببرغسون خاصة أنك كتبت دراستك الجامعية عنه. أيّ شيء أثار إهتمامك في أعماله ؟ فكما قلت ََ أنت تفضل زيميل Simmel .
سيوران : بالفعل إ هتممت بزيميل ، ولأنه كتب بصورة رائعة ( برغسون شاطره هذه القابلية ) ، ومعلوم كم هي هبة نادرة عند الفلاسفة ! زيميل إستخدم لغة واضحة جدا ، وهو أمر نادر لدى الألمان. كان كاتبا حقيقيا. إعجبتُ خاصة ً بنصوصه عن الفن التي كشفت عن حساسية غير إعتيادية. وعن حق كان قد إتهم برغسون بأنه لم يلاحظ أن " الحياة تدمر نفسها كي تعثر على سند ". برغسون إستخف بالبعد التراجيدي للوجود، وهنا قد يكون من الضروري البحث عن أسباب النسيان الذي تعرض له. ليس ممكنا تجاهل الأزمات الداخلية.
سيلفي : لنتوقف قليلا عند الأزمة التي مرت بك. مرة قلت لي إن جوهر كتاباتك هو الخطاب الديني.
سيوران : يخفي كل إلحاد معلن بصورة عنيفة ضيقا روحيا معينا. لقد وسم شبابي بميسم رد الفعل ضد الكنيسة ، وضد الله نفسه أيضا. كان إيماني معدوما وبالقدر نفسه كان إهتياجي. وحتى أني بخطب نارية دفعت شقيقي كي يصرف النظر عن أن يكون رجل دين.
سيلفي : قبل قليل ذكرت عن فترة اليأس العميق في حياتك. هل كانت لها صلة بما كنت تعانيه فيما يخص الإيمان؟
سيوران : وحتى لو كانت غير مباشرة فهي قد رسخت إعتقادي بأن كل شيء هو باطل. كان عاما 1926 - 1927 فترة قلق متواصل. في كل ليلة كنت أجوب الشوارع وتعذبني هواجس قاتمة . وفي فترة التوتر الداخلي تلك عرفت بضع مرات تجربة الشده ecstasy. في كل الأحوال عشت لحظات كان فيها شيء ينتزعنا من عالم المظاهر الكاذبة. و حصل ذلك فجأة ومن دون مقدمات ، وكان شيئا يستحوذ علينا بقوة لا تقاوم. الإنسان يغور في إمتلاء ما غير إعتيادي ، أو بالأحرى في فراغ منتصر. كان تجربة ً ذات وزن بالغ الكبر ذلك الظهور الواضح لخواء كل شيء. وتلك الإشراقات القلائل مكنتني من تجربة أعلى نوع من الغبطة التي يتكلم عنها الغيبيون. عدا السعادة التي نلقاها بصورة إستثنائية ولأمد قصير لاشيء موجود هناك حقا ، أما نحن فنحيا في مملكة الظلال. وفي كل الاحوال سوف لن نعود من الجنة أو النار وكما كنا من قبل.
سيلفي : مفهوم أن الغيبية هي إحدى القضايا الرئيسية التي تتناولها في كتاباتك. وحتى إذا كنت تتردد أحيانا في وصف طريقك كطريق غيبي فالأكيد أن الغيبية هي أحد همومك الحياتية الرئيسية ، و تشهد على ذلك قراءاتك الكثيرة المرتبطة بهذا الموضوع.
سيوران : قضيت زمنا طويلا أقرأ فيه سير الغيبيين، ولربما من أجل البحث عن توكيد على تجاربي. قرأت بنهم كبير إلا أنه قد إنتهى الآن. كنت في حالة من الإجهاد الروحي يصعب تحديدها. عليّ أن ألجأ الى إيمان ما لكن طبيعتي تمردت على هذا الشيء. بعدها حدث شيء فيّ : حل بي إفقار روحي ، وأنزلقت في حالة توق عقيم.
سيلفي : ما يعني لديك مصطلح " غيبي " ؟
سيوران : إنه تجربة ذات شدة لامثيل لها. العصور التأريخية التي تزدهر فيها هذه التجربة توائم فترات الحيوية الروحية. و إذا كنت ممتعضا و ضجرا لا أقدرعلى الإرتماء ( خارج النفس ) بل أتحرك ( تحت النفس ).
لا تجربة غيبية من دون تحوِّل transformation . السلبية لايمكن أن تكون تشيؤا ً materialization . وتلك النقاوة الداخلية التي لاتحدّ وبفضلها نصبح فوق كل شيء ، ليست هي اللاحركة . وبالقدر الذي تكونه البوذية سهلة في النظرية تتعرض في التطبيق العملي ، وخاصة على يد الأوربيين ، للصيرورة تجربة زائفة لاتعطي غير وهم التحرير. فهذا التحرير نكتشفه لوحدنا و من دون أن يكون المرء تلميذا لأحدهم أو ينتمي الى إحدى الجماعات الروحية. التجرية العميقة الوحيدة نكسبها في الوحدة. والتجربة التي تأتي نتيجة للإتصال هي سطحية ، فتجربة العدم لا يمكن أن تكون مع الجماعة. في الأخير تكون البوذية حكمة حسب. والغيبية تصل أعمق ، الغيبية تعني الشدَه. وأنا إمتلكته أربع مرات. المجموع أربع في فترة من البلبلة الروحية. وهذه تجارب يمكن للإنسان إمتلاكها سواء أكان مؤمنا أو غير مؤمن.
سيلفي : كيف تجد العودة من الشده الى الحالة الطبيعية ؟ أهو سقوط ؟
سيوران : السقوط يعني التقليل من الشدة الداخلية ، والعودة الى الإيقاع الطبيعي . إنه سقوط بالفعل.
إن غبطة الشده لاتطاق تقريبا. يملك المرء إنطباعا بأن كل شيء قد تعرض للذوبان وأن كلما يحدث لامعنى له. إنها لحظات غير إعتيادية تلك التي نسترد فيها الحياة وبعدها ننتظر بحنين طاغ قدومها. الخيبة شيء مؤسف للمؤمن خاصة. الغيبي يشعر بأنه مهجور ومرفوض من قبل الرب و مهدد بالجفاف الروحي. حينها يقع في حالة من الضجر ، واللامبالاة ، في مرض النسّاك والذي يملك بعدا شيطانيا . وبالنسبة لهؤلاء ليس الخطر هو الشيطان بل الفراغ.
سيلفي : حينها يفقدون الإيمان وبالمقابل يكسبون صحوة النظر والتي تطابقها أنت يا سيدي بأعلى درجات التعرف.
سيوران : الصحراء الروحية لاتعني دائما الجدب. فنتيجة لذلك تسمح لنا صحوة النظر بملاحظة الفراغ ، وتتحول هي الى تعرّف. الصحوة القصوى للنظر هي أعلى درجة من درجات الوعي. وهي تمنح الشعور بأنها قد أفرغت الكون تماما ومنحته الديمومة. والذين لم يشعروا بهذه المرحلة لايملكون أي فكرة عن النوع الأكرم من الخيبة أي التعرّف. يصبح المتحمسون مثار الإهتمام حين يلقون الهزيمة وهم نتيجة لفقدان الأوهام يصبحون إنسانيين اكثر. فالإنسان السطحي هومن يحقق النجاح في كل شيء . الهزيمة هي الصيغة الحديثة للعدم. وطيلة حياتي سحرتني الهزيمة. ومن الضروري وجود حد أدنى من التوازن، فالإنسان السليم تماما نفسيا وجسميا لا يتلقى معرفة ًما ، جوهرية. الصحة الكاملة هي شيء خانق.
سيلفي : بهذه الصورة يحصل تفسير الإهتمام الذي تبديه بالقديسين ، تلك الكائنات " المضطربة " عميقا. وهو إهتمام يتميز بالفضول و والإعجاب والإستغراب إزاء هؤلاء الناس الذين نبذواكل أوهام هذا العالم لكنهم بقيوا محتفظين بالإيمان الأعمى ، بالوهم الأكبر أي المطلق.
سيوران : من دون شك أنا أهتم بالغيبي أكثر من إهتمامي بالقدسية التي تملك رغم كل شيء شيئا غريبا مثيرا لفضولي. المبالغة المفرطة عند القديسين جذبتني ببعدها الإستفزازي . وقد يشيرون لي الى الطريق الذي أرغب بنفسي المضي فيه ، رغم أني فهمت بسرعة أن الدين ليس هو قدري وأني لا اصلح له ، فأنا لا أعرف كيف أؤمن. لقد كتب علي فقط تجارب تحت الإيمان أو فوقه.
ليس الإيمان بل الضجر ما فتح عيني على العامل المهيمن و الأساسي. الموقف الديني كان غريبا على طبيعتي إلا أنه ربض في مكان فيّّ كأغراء. أذكر أنه في ذلك الوقت كانت لدي صديقة طغى فيها التوقد الغيبي. وحتى أنها مضت في هذا الطريق بعيدا للغاية. كانت شخصا بسيطا غير متعلم لكنها كانت ذات ذكاء حيّ. فهمت بأني تهت في تلك الدروب وأن عليّ أن أنسحب. كان حدسها صائبا. فمع قدومي الى فرنسا في عام 1937 تركني الإغراء الغيبي و طغى فيّ الوعي بالهزيمة . أنا أعرف بأني لا أنتمي الى جنس أولئك الذين يعثرون ، بل أن إسهامي هو ان أتعذب وأعضّ. ( مخطط الإنحلال ) يعكس نهاية تلك الفترة.
سيلفي : بالفعل ، فالكتاب يطفح بمرارة الهزيمة . وكل ردود أفعالك التي جاءت فيما بعد تشهد على هذه الشكاية.
سيوران : هذه الشكاية تعبرعن نفسها في كتابي الأول ( في ذرى اليأس ). كتبه لاجيء هرب من الإنسانية. أنا لست عدميا رغم أن الإنكار كان يغريني دائما. عرفت الشعور بالعدم للمرة الأولى عندما كنت في مقتبل العمر بل طفلا على وجه التقريب ، ونتيجة إلهامٍ لا أعرف تحديده
على الدوام كان النبذ عندي أقوى من الحماس. فأنا الذي يعذبه في الوقت نفسه إغراء المطلق والشعور الملح بالفراغ ، كيف أكون قادرا على إمتلاك الأمل ؟
سيلفي : هل بإمكانك يا سيدي أن تعلق على هذه القول المأثور : “ هناك لحظات وكيفما كنا فيها بعيدين عن الإيمان نحن غير قادرين على تصور أيّ شخص غير الرب كمحادث لنا" ؟
سيوران : الرب يعني المرحلة الأخيرة من تجوال ما ، النقطة الأبعد للوحدة ، نقطة من دون ماهية لكن ينبغي منحها إسما ما ونخصص لها وجودا وهميا. بإختصار : إنها تقوم بوظيفة معيّنة هي الحوار. وحتى غير المؤمن يرغب في التحادث مع " الأوحد " ، إذ ليس من السهل التحادث مع العدم. البوذية تتجنب هذه الصعوبة فهي على العكس من المسيحية لا تعتمد على الحوار. فهذا لا يحتاج الى الرب. ما يحسب حساب له فقط هو العذاب. وهذا الشكل من الروحانية هو الأكثر قبولا من جانب البشرية المعذبة بهاجس سقوطها سواء أكان قريبا أو بعيدا.
سيلفي : كيف تفكر بالمدّ الحالي للأصولية الدينية وأعمال العنف التي تقوم بها ؟ ألا يشير هذا الى أنك كنت محقا حين كشفت عن العنصر الشيطاني الكامن في كل دين ؟ فأنت القائل : “ لكان الدين النقي مجدبا ، فالعميق و السام فيه ليس ربانيا بل شيطاني " ( إغراء الوجود La tentation d exister ص . 188 )
سيوران : إن كل دين يعقد صفقات مع التأريخ يبتعد عن جذوره. و الحال نفسها مع المسيحية التي كانت تعشق التضحية لكنه فيمابعد كان عليها أن تصبح دينا غانما مما كان خيانة حقيقية.
سيلفي : الغنوصية عرفت أخطار التاريخ الذي تدينه بصورة باتة.
سيوران : للغنوصيين يكون كل ما يرتبط بالزمن ينبع من الشر. فهم عرّوا التاريخ عامة ، وككل ، كمملكة أحوال الواقع الزائفة. فالتأريخ لامعنى له وغير نافع. ودخول التأريخ لا يثمر شيئا. وهذه الرؤية تبتعد بصورة بينة عن الأخرى الرسمية ، فلسفة الحشر والنشور eschatology المسيحية المحلاة التي تجد في التأريخ والشقاءات التي يولدها محاولات ٍ تكفيرية.
سيلفي : كامل كتاباتك تشهد على أنك تملك مفهوما للتأريخ قريبا من الغنوصيين. هل تعتقد حقا أنه ينبغي مطابقة التأريخ بالشر؟
سيوران : أنا مقتنع بهذا الشيء. كان الإنسان محكوما عليه في نقطة الخروج نفسها. وفي أثناء نشاطه ينسى الإكتمال الأوليّ الذي يحميه أمام الزمن والموت. وبمحض إرادته حكم على نفسه بالخراب. والتأريخ المنسوج من الزمن والحركة محكوم عليه بالدمار الذاتي. لاشيء طيبا يمكن أن ينتج شيء كان في البدء نتيجة الشذوذ anomaly .
سيلفي : بهذا المعنى قد نفهم صياغتك : “ التأريخ هو سخرية في مسيرة ". اليس كذلك؟
سيوران : كل ما يعزم الإنسان عمله يتوجه ضده. وكل نشاط هو مصدر الشقاء ، ولأن النشاط مخالف لتوازن العالم ، إنه رسم هدف ٍ و إسقاط ذاتي في الفعل.
إن أقل حركة هي ضياع. نحن نطلق من عقالها قوى تحطمنا في النهاية . وأن تحيا بصورة حقيقية يعني أن تحيا بلا هدف. هذا ما تعلنه الحكمة الشرقية التي مسكت بصورة صائبة التأثيرات السلبية للنشاط. فليس هناك ولو إكتشاف واحد لايملك عواقب منذرة . وما يدمر الإنسان هو عبقريته. وكل قوة يحررها تعود بالضرر عليه. إنه حيوان إرتكب الخيانة ، ولذلك يكون التأريخ عقابه. وكل ما حدث منذ فجر التأريخ يشهد على جبروت هذا القانون الصارم. وحتى الخير هو شر. وكل إندفاعة بروميثيوسية هي ملوثة. والحكمة الإنتيكية مثيرة للعجب في نفاذ بصيرتها حين خشيت من أن ضربة المصير تصيب كل من يتحدى الالهة. على الإنسان بالتوقف. لكنه لم يعرف كيف يخدع عملية ضخمة وكارثية كان قد تورط وصار طرفا فيها...
سيلفي : ماذا تقصد بقولك : “ إن كل ميتافيزيقا هي رجعية " ؟
سيوران : الميتافيزيقا تضمِّن تأملا فوق تاريخي. هي تهتم بجوهر ماهو غير متبدل. إنها تتخطى البعد الزمني لكنها لاتمضي الى الأمام.
سيلفي : أيّ تأثير ألقاه عليك شبنغلر Spingler ، المنظر الكبير لتدهور الغرب ؟
سيوران : في شبابي قرأته بصورة محمومة وبعدها كففت عن الإهتمام به. لم يكن نبيا سيئا طالما أنه كان معجبا بالكوارث. في مكان آخر تكون فلسفة التأريخ ممكنة فقط حين نمتلك الحساسية إزاء المشهد الذي يكونه فساد الحضارة. و لنأخذ روما كمثال : إذا كان قدوم المسيحية من أعراض حالةما قبل الموت يكون السبب هو أنه سوية مع نفاد المعتقدات تعرّض السكان ل( فقر الدم ) . ومعلوم أن أكثرية سكان العاصمة روما كانت من المهاجرين. وإنتصار المسيحية تحقق بفضلهم. وفي الأخير يكون النصر دائما للخدم. وتبقى غير مفهومة الى درجة أقل مسألة إنسحار الإنتلجنسيا الرومانية بهذا الدين الجديد. ويمكن الإفتراض بأن ذلك قد يلقى على عاتق الضجر المطلق. وقد فرض الرومان المشتتون روحيا والأجانب ذوو الطاقات الحيوية هذه المسيحية ، وهو أمر مغرٍ عقد المقارنة بين روما والغرب الراهن الذي أضجرته تقاليده. وفرنسا بشكل خاص تمر بفترة إجهاد تأريخي فهي بالذات ، ومن بين بلدان الغرب ، كانت قد أفرطت في إستهلاك نفسها.إنها في الحقيقة البلد الأكثر تحضرا لكنه يكون في الوقت نفسه المستهلك ( بفتح اللام الثانية ) والذي يسهل جرحه. الشعب مهدد حين يكون قد فهم ، أي حين يصل درجة التفنن التي يتبين بأنها قد تضيعه لامحالة.
سيلفي : أنت يا سيدي تكون عند الفلاسفة الصيغة المعاصرة للشكوكي. مارأيك بهذا ، وكيف تعرّف الشكوكية ؟
سيوران : إنه التساؤل الأبدي والرفض الغرزي لليقين. الشكوكية هي موقف فلسفي بشكل بارز، ولكنها من باب المفارقة لا تكون نتيجة لأي إجراءات بل هي شيء فطري. في الجوهر نحن نولد شكوكيين. وهذا لا يمنع من أن لا نخضع لإندفاعات الحماس السطحي. الناس يظنون عادة أني ذو هوى، من دون أي شك يكون هذا الظن صحيحاعلى مستو معين لكن في مكان ما ، في العمق ، أبقى شكوكيا. وهذا العمق بالضبط وهذه القابلية على التشكيك بكل مؤكداتٍ هما شيئان مهمان حقا. ولكي نعمل نكون ، من دون أي شك ، بحاجة الى اليقين. إلا أن أصغر تأمل أصبح خرابا يكون هو قبولا تلقائيا. في الأخير نحن نجزم بأن لاشيء ثابتا ، وأن لا أساس هناك. إما الشكوكية وإما هيمنة السخرية.
إن جذر التشكك عميق وبعمق اليقين. وكل ما في الأمر أنه أكثر ندرة. كما أنه بندرة الرؤية الواعية ودوار الراس المرتبط بها.
سيلفي : غالبما ما تؤكد على التناقض في الشك الذي هو مغّذ ٍ و مدِّمر في الوقت نفسه.
سيوران : الشك الرهيف لدى الناس المتحضرين هو محض أسلوب معيّن للحفاظ على البون إزاء الأحداث. بينما يوجد هناك الشك المدمِّر الشبيه بالمرض الذي يحيق بالإنسان وحتى أنه قد يدمره . إن مثل هذا الشك المبالغ فيه هو في الغالب مجرد مرحلة. وهو ما يحرض على القيام بقفزةصوب الدين ، إذ أن الشك المتفشي لا يمكنه البقاء طويلا. وغالبما يسبقه الإرتداد الديني أو غيره. وجميع الغيبيين إعترفوا بأحوال القلق الضخمة التي تحاذي الإنكسار. ولامحالة ينشأ هنا السؤال : الى أي مدى يمكن المضي مع الشك ؟ . الجواب بسيط : إما الغرق فيه الى الأبد وإما الخروج منه. إنه شلل أو نقطة إنطلاق.
سيلفي : ملاحظاتك تذكرني بقول لغوستاف. تيبون G. Thibon الذي ساوى بين الشكوكي والمؤمن. يكتب : “ الشكوكي لا يملك اوهاما ، لكن بحكم تشكيكه بكل شيء ، لا يتقدم الى الأمام ، أما المؤمن الحقيقي فيشك لكنه يتقدم ويتجاوز شكه ". إذن هل الإيمان هو أحد سبل التغلب على الشك ؟
سيوران: أكيد أنه هكذا. لدى الذين يكمن فيهم الإيمان عميقا يكون الشك مرحلة ذات أهمية بالغة بل لا غنى عنها . وكل واحد لم يشعر بلسعته لايمكنه المضي بعيدا على المستوى الروحي. الأكثر جوهرا هو العمل البطولي المتمثل بالتغلب على الشك. إلا ان بعضهم يفشل ، و لأنهم عضويا لا يصلحون للإيمان. هكذا الحال بالضبط معي. أنا شكاك بصورة مزمنة.
في أغلب الاحيان واجهت في حياتي الإغراء الديني ، وقرأت الغيبيين كثيرا حتى أني أعتقدت بفهمي لهم. لكن حين كان علي القيام بتلك الخطوة الحاسمة يصرخ صوت فيّ : “ كلا ، لا يمكنك المضي أبعد ". عندما كتبت ( دموع وقديسيون )
[ Lacrimi si sfinti , Des Larmes et des saints ] عانيت من عراك حقيقي بين الإغراء ورفضه لكني لم أفلح أبدا في التغلب على الشك. الإنسحار بالسلبية فطري فيّ الى درجة أني اشعر به في كل لحظة.
سيلفي : لكن قد تكون هذه السلبية هي دافع الإنتصارات الروحية. المازوكي يشعر بالحاجة الى إذلال أناه كي يسهل عليه التحرر منها. في المحصلة كي يختفي هو ذاته. نحن نرى أن الشكوكيين الكبار هم حكماء. طالما أن الحال هكذا ألا تكون الشكوكية شكلا من أشكال الروحانية يصلح تماما لزماننا ؟
سيوران : لا أستطيع القول بأن هذا الصلاح الروحي سيكون دائميا وهل أن له مستقبلا ، أو أنه مجرد إستيقاظ وقتي. في كل الأحوال اجد نفسي وللمرة الأولى شاهدا على مثل هذا النبذ لأوهام الدوغمائيات وإنكسارها . الحقيقة هي في الأساس أنه بعد كل الهزائم التأريخية الكبرى حل مدّ الشكوكية. الروعة الفكرية للعالم الأنتيكي إنطفأت سوية مع فجر المسيحية. وكان شيئا لايمكن قبوله أن العقول المثقفة قد إندفعت محمومة صوب نموذج مثالي وبمثل هذه السذاجة. والخطبة الإتهامية لسيلسوس Celsus تبقي الأكثر إنفعالية ووثيقة تجدر بالدرس كتبها وثني صعقه غزو المسيحية.
سيلفي : الكلبية ترافق دائما الشكوكية . كيف تفرق يا سيدي بين الإثنتين ؟
سيوران : تدفع الكلبي ميوله المزمنة الى الإنكار وإرادة التعرية. في هذا شيء شيطاني ، دينامية ٌما روحية منحرفة غير أنها غريبة على الفكر الذي يميز الشكوكي وشقيقه الأصغر في القلق ايضا – الإنسان الخائب الذي يقدر على أن يسبق الشكوكي إذا رفع خيبته وأحوال قلقه الى مستوى التعرف طالما أن القلق هو المرحلة الأولى للتأمل الفلسفي.
سيلفي : في فيتزجيرالد تجد يا سيدي تجسيدا للإنسان الخائب الذي تكلمت عنه قبل لحظات ، للمهزوم الذي قبل بإندحاره ، بل حتى أنه يستمرأه ولا يدفع يأسه في الغيبيات بل يعيش هو كما النبات في يأسه إذ أن ما لقيه هو فوق طاقته... وبالعلاقة مع هذا أستشهد بما كتبته أنت يا سيدي : “ مما لاشك فيه أن رد فعل الناس الخائبين الذين هم غير قادرين على العثور على سند ما ، ميتافيزيقي أو شكل تجاوزي للإنقاذ ، يرتبطون بكل شغف بشقائهم معاملين إياه كقبول بالهزيمة. الخيبة هي التوازن للمهزوم. وهذا المهزوم بالذات يتقبل تماما الحقائق القاسية كإطراءٍ crack up ويتوجه الى هوليوود بحثا عن النجاح....” ( تمارين الإعجاب Exercices d admiration ). وقد تكون هذه الأزمة قد لفتت إنتباهك ، لدرجة أكبرمن الخلق الأدبي ، الى فيتزجيرالد...
سيوران : الأزمة الخطيرة وحدها كان بمقدورها أن تفتح عينيه على الحقائق الأساسية . و لدى الناس أمثاله يكون الإنكسار شيئا ضروريا. فالإنسان الناجح في الحياة لا يملك أي فرص على المستوى الروحي. العمق هو أمتياز مقصور على الذين تعذبوا.
سيلفي : إن مصدر أكبر سرور عندك هو الموسيقى. وأهم اللحظات تعيشها برفقة برامز وشومان وشوبرت. ما الذي تعني هي عندك ؟
سيوران : إنها الفن الوحيد الذي يمنح المعنى لكلمة " المطلق ". إنه مطلق معاش بوساطة وهم كبير ، فهو يتبعثر في لحظة حلول الصمت. إنه مطلق سريع الزوال ، وفي المحصلة هو مفارقة. وكي تتمكن هذه التجربة من أن تستمر فعليها أن تتجدد الىما لانهاية تماما كما التجربة الغيبية التي يضيع أثرها في اللحظة التي نلتحق فيها من جديد بالحياة العادية.
سيلفي : هل هناك لحظات خاصة بالإستماع الى الموسيقى ؟
سيوران : في الليل تكتسب هي بعدا غير إعتيادي. الشده الموسيقي يرتبط بالآخر الغيبي. نشعر بأننا نصل الى حدود ما وأن من الممكن إجتيازها. حينها لا شيء مهم هناك ولا وجود له. نحن غائرون في عالم ما ، نقي يمنح الإنتشاء. الموسيقى هي لغة التجاوزي . وهي تفسر الوشائج التي تولد بين الشعوب التي تغمرها في عالم تكف فيه الحدود عن الوجود. ومن المؤسف أن بروست الذي حلل ، بثبور ، الموسيقى و تأثيرها لم يعرف شيئا عن قوتها في نقلنا خارج منطقة التلقي الحسي. في هذا الأمر وهو في الأخير أمر مميز أن بروست لم يعرف شوبنهاور وتوقف عند برغسون فقط. إنه لم يتخط عتبة البسيكولوجيا.
سيلفي : على هذا يعتمد الفارق كله بين الميتافيزيقي والجمالي. بروست يبقى جماليا وحتى أنه من وقت الى آخر يقترب من بعد آخر هو البعد الذي يتخطي عالم الأشكال.
سيوران : لم يعرف هو القلق الميتافيزيقي الحقيقي. وتجاربه مع الموسيقى ترتبط دائما بتأريخه الشخصي. وهذه التجارب لا تقتلعه من حياته – ببساطة : من الحياة. نحن ندخل عالم الموسيقى حين نكون خارج كل ما هو بشري. الموسيقى هي عالم فعلي بلانهاية رغم أنه يستحيل مسكه. ‘نه هوائي. ومن هو غير حسّاس إزاء سحرها و لايعرف كيف الدخول في هذا العالم يكون قد حرم من حق الوجود. فما هو الأعلى مغلق أمامه. على الموسيقى أن تدفعك الى الجنون . وإلا فهي لن تكون أي شيء.
سيلفي : بإختصار : الموسيقى تضعنا أمام مفارقة الأبدية وهي مرئية في الزمن.
سيوران : بالفعل. إنها المطلق الممسوك في الزمن لكنه عاجز عن الإستمرار فيه ، فالإتصال هو الأعلى وعابر في الوقت نفسه. ولكي يقدر هذا الإتصال على الإستمرار يكون بحاجة الى إنفعال موسيقي غير منقطع. والهشاشة نفسها تخص الشده الغيبي. في كلتى الحالتين هناك الإحساس نفسه باللاإمتلاء الذي ترافقه الشكوى المتمزقة والشوق الذي لا حدود له.
سيلفي : وهذا الشوق بالذات هو أساس رؤياك للعالم. وكيف تحددها؟
سيوران : هذا الإحساس مرتبط جزئيا بمنحدري الروماني. في رومانيا يتغلغل هو في كامل الشعر الشعبي. إنه تمزق ما ، غير محدد يسمى بالرومانية dor ، والكلمة قريبة من الأخرى الألمانية: sehnsucht والأكثر قربا منها هي البرتغالية : saudade .
سيلفي : كتبت يا سيدي : “ هناك ثلاثة أنواع من الميلانخوليا : الروسية والبرتغالية والهنغارية ".
سيوران : الشعب الأكثر ميلانخولية الذي أعرفه هو الهنغاري. ويكفي هنا الإستماع الى الموسيقى الهنغارية. وفي شبابه إنسحر برامز بها ومن هنا السحر الأخاذ لمؤلفاته.
سيلفي : التعبير ذو الإمتياز عن الحنين هو الموسيقى لكن هناك الشعر أيضا. في الأخير تقول يا سيدي : “ الشعر يعبر عن جوهر شيء ليس بمقدورنا إمتلاكه ، إنه المعنى النهائي لهذا الشيء - عجز أيّ شيء من " الراهن ". الفرح ليس شعورا شعريا (...). بين الشعر والأمل ثمة هاوية بكاملها " ( مخطط الإنحلال. Precis de decomposition ، ص 142 ).
لكنك في ( إغراء الوجود La tentation d exister ) تعترف للشعراء بموقع ذي إمتياز تحسدهم عليه أنت بنفسك. ويبدو أن هذا الصنف من الناس الذين يملكون علاقتهم مع الزمن هي غير علاقات الناس العاديين، و في عالم الكلمات يشعرون بأنهم في مكانهم الطبيعي. كيف تبدو علاقاتك مع الشعراء ؟ و لماذا تشعر بأنك قد إستثنيتَ من عالمهم؟
سسيوران : أولا عليّ القول بأنه اثناء الحرب سحرت بالشعر وخاصة الإنكليزي . وبعدها فقدت تماما الإهتمام به. وطالما نحيا مع الشعر لايهددنا الفراغ الداخلي. العمل الشعري وأنت ، أي القاريء ، تنتميان الى العالم نفسه ، و بينكما علاقة ما ، حميمة ، تماما كما مع الموسيقى أنت تلمس شيئا جوهريا يملؤك بالسعادة – إنه نوع من من هبة الشراكة فوق الطبييعية مع الذي لا يُمسَك. الزمن يبقى مواربا ونحن منتزعون من تيار الصيرورة . الموسيقى والشعر هما ضلالان متساميان.
سيلفي : لماذا قطعت الصلة بالشعر ؟
سيوران : نتيجة النفاد الداخلي وضعف قابليتي للإنفعال. يجيء الوقت الذي نجفّ فيه. الإهتمام بالشعر مرتبط بتلك الطراوة للروح والتي بدونها نعرّي على الفور إصطناعيتها. والشيء نفسه مع الكتابة. فمع التقدم في العمر تبدو لنا الكتابة أقل أهمية أكثر فأكثر. و خارجا من دائرة العذابات أكسب في الأخير حلاوة الإستسلام. الفاعلية هي أسوأ الأحكام المسبقة ، إذن أنا سعيد لكوني لم أقع في ذلك الحكم. وأنت يا سيدتي تعرفين عظم إحترامي للذين لم يحققوا الإمتلاء وإمتلكوا الشجاعة كي ينسحبوا ومن دون ترك أيّ أثر.
و إذا كنت قد تورطت في مغامرة الكتابة فالذنب هنا يلقى على كسلي . و بصورة ما ينبغي تبريره وإلاكيف إ ذا لم اكتب ؟ المقطع fragment هو النوع الوحيد الذي يوافق أمزجتي ، إنه تتويج فخور للحظة المتحولة وبكل التناقضات التي تنتج عن ذلك. العمل الكتابي الأوسع خاضع لمتطلبات الإنشاء، وقد زيِّف بسبب هاجس الديمومة continuity ، هذا العمل هو متماسك للغاية من أجل أن يكون حقيقيا.
سيلفي : الا تكمن حقيقتك يا سيدي في هذا الصمت الذي تواجه به الناس الذين ما زالوا ينتظرون منك كتبا ؟
سيوران : قد يكون الأمر هكذا. لكن إذا كففت عن الكتابة فالسبب سيكون أني لا أطيق بعد ، الإفتراء على العالم ! أنا قد أصبحت مستهلكا ( بفتح اللام ) بصورة ما. أن النظرة الصاحية والتعب ( سواء بالمعنى الفلسفي و الجسمي ) تغلبا علي في النهاية ، وهناك شيء ما فسد فيّّ. نحن نكتب بدافع الحاجة لكن التعب يصفي هذه الحاجة . و ياتي الوقت الذي نكف فيه عن الإهتمام بها. و الأكثر من ذلك لقد عرفت ناسا كثيرين تخطوا كل المقاييس في الكتابة ، و أنتجوا بعناد وكانوا مدفوعين بالمشهد الباريسي للحياة الأدبية. لكن يبدو لي أني كتبت ايضا أكثر من اللزوم. كتاب واحد يكفي. لم اكن عاقلا حين لم أبق قابلياتي غير مستغلة وكما فعل الحكماء الحقيقيون الذين أكن لهم الإعجاب. اي الذين لم يفعلوا عن عمد أي شيء مع حياتهم.
سيلفي : كيف تنظر الآن الى " عملك " ، هذا إذا كانت هذه الكلمة تملك معنى ما عند ك ؟
سيوران : هذه المسألة لاتعنيني إطلاقا شأن مصير كتبي. لكني اعتقد بان بعض وقاحاتي لايزال .
سيلفي : أيّ شيء ستقوله للإنسان الذي إكتشف كتبك ؟ هل تنصحه بأن يبدأ بقراءة كتاب معين ؟
سيوران: يمكنه أن يختار أيّ كتاب ، وفي ما أكتبه ليس هناك أي تقدم. كتابي الأول يحوي ،في الحقيقة ، كل ما قلته فيما بعد. الإختلاف يخص الأسلوب وحده.
سيلفي : مع أي كتاب منها تشعر برابطة خاصة ؟
سيوران : بلاشك مع ( تعب الولادة ). أنا متمسك بكل كلمة من كلمات هذا الكتاب الذي يمكن قراءته بعد فتحه لا على التعيين وحتى إذا لم يكن مقرؤا بكامله .
أنا أملك علاقة خاصة أيضا مع ( قياسات المرارة Syllogesmes de l amertume ) ولسبب بسيط هو أني نشرت فيه كل الغسيل القذر . قيل بأني قد فضحت نفسي حين كتبت هذا الكتاب. وبعد صدوره قدّره جان روستان Jean Rostand بصورة صائبة حين قال : “ هذا الكتاب سوف لن يكون مفهوما ".
كما لي علاقة خاصة بالصفحات السبع الأخيرة من ( السقوط في الزمن ) والتي هي الأكثر جدية من كل ما كتبته. قيل القليل عن هذا الكتاب الذي يكون برأيي الأكثر خصوصية ، و عبّر بالصورة الأصوب عما يعتمل في النفس. فهل هناك دراما أكبر من السقوط في الزمن ؟ للأسف لاحظ القلائل فقط من قرائي هذا البعد الجوهري لفكري.
وهذه الكتب الثلاثة تكفي بالتاكيد ، إذن ، و بدون تردد ، أكر ر القول بأني كتبت بإفراط.
سيلفي : أهي كلمتك الأخيرة ؟
سيوران : نعم .


* نشر هذا النص للمرة الأولى في كتاب :
Entriens avec Sylvie Jaudeau d une analyse des oeuvres , Librairie Jose Corti , Paris 1990
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6057103   Visitors since 7-9-2002