المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقالات ونصوص أخرى
 

حوار مع اسماعيل غزالي

  
زهير فخري
  















هو “غزال القصة المغربية” بحسب توصيف القاص الأستاذ أحمد بوزفور. أتى إلى الكتابة على جناح القراءة. بينه واللغة العربية ما يشبه التعاقد بين متحابين؛ لهذا فالشقاء المفترض إزاء جسد اللغة العربية يحسه متعة خالصة؛ بل إنه لا يعثر على ما سماه “لذة شاهقة” إلا بهذه اللغة التي يأسف أن تكون في انحدار مهول على درب الهجانة والإسفاف. يقف القاص إسماعيل غزالي في الحوار التالي، عند أحوال القصة القصيرة المغربية دون تردد في وصف الأخيرة ب”الفقر المهول” على مستوى الخيال، كما يصف القراءة النقدية للمنجز القصصي بالمغرب بغير المنصفة بل وب”الزائفة والمضللة” لأنها، بحسبه “مكرسة للرديء”، كما عرج على ما اعتبره “أردأ الأحوال”، في حديث عن حال النشر بالمغرب، دون أن تفوته فرصة الحديث عن ما سماه “صداقات زائفة” و“مجاملات وضيعة” بين القصاصين المغاربة… هذه القضايا وغيرها يثيرها القاص إسماعيل غزالي في الحوار التالي:

يحلو لك أن تصف نفسك بأنك كنت غجريا وقاطع طريق، وعلاقتك بالمدى والسكاكين علاقة حميمية. الآن، وقد تخلصت من شحذ السكاكين في الخلاء وقارعة الطريق، واهتديت إلى سكاكين أخرى، هي بكل تأكيد، “أصدق أنباء“ من سكاكين قطاع الطرق. أحب أن أسألك: كيف اهتديت إلى هذه العُدّة الحاسمة؟ أو من أين أتاك النداء، نداء الكتابة؟

يبدو أنك نبشت في حواراتي الحمقاء الأولى . طبعا ليس كل حوار منشور إلكترونيا يمثلني بالضرورة. فثمة خدعة رهيبة ودسائس يحفل بها هذا المستنقع الأزرق. بداية قد تكون سكاكين قطاع الطرق أصدق أنباء من سكاكين الكتابة. وحكاية السكاكين لا أروم منها تهويلا زائفا أو إثارة صفيقة. كأي مراهق طائش ومنفلت كانت عواقب تهوّره ستؤول إلى نتائج وخيمة. لو لم تنقذني القراءة (هل أنقذتني فعلا ؟) حتما كنت سأنحرف إلى طريق غير محمودة العواقب بدليل أنّ السكين كان لا يفارق جيبي لحظتئذ. مع أنني كائن مسالم وطيّب حدّ السذاجة.
لا أظن أن كاتبا يستطيع أن يأتي قطعا بإجابة خالصة حول نداء الكتابة. ما أذكره عند عتبات السديم الأولى، أنني أتيت إلى الكتابة من القراءة. وحادثة القراءة نشأت عبر سرقة لكتاب توسلت بيعه كي أشتري علبة سجائر. الحكاية موجودة بشكل من الأشكال الاستيهامية في قصة مكتبة الكتاب الواحد. أما النصوص الساذجة التي كتبتها في مراهقتي فكانت لها علاقة بحكاية أخرى. تعود للحظة عسيرة: فأبي كان معتصما مع فرقة عمال في بطن منجم “إغرم أوسار” ( 600 متر تحت قشرة الأرض ) إثر أزمة “جبل عوام” الصارخة ( بدء التسعينات من القرن المنصرم ) واستغرق الاعتصام الجوفي هذا 40 يوما ونيّف. وتجشمتْ أمي أمر تدبير البيت اقتصاديا. ذات طور موشوم من أطوار الأزمة قرّرتْ أمي أن تبيع زربيّة هي من نسجها بأصابعها كي تحقّق توازنا مفقودا في اقتصاد البيت ( أذكر كيف كانت أمي تنسج الزرابي في بيت الطفولة وهي تردّد الأشعار و تبكي). هناك من إخوتي من علّق آمالا على بيع الزّربيّة كي يتحقق له شراء قميص أو دفتر أو حذاء شتائي مثلا ( تعلم ما يعنيه الشتاء الفادح في جبال الأطلس طبعا)… كنت أعي تماما أن قيمة الزربيّة لا تقدر بثمن. ويلتاه؟ كيف لا وهي تحفة من ابتكار خيال جليل ووجدان مثخن وأصابع بلورية هي لأمّي. حدث أن باعتها، بكل ما يرْشح به جبين الأسف من أسف، في السوق الأسبوعي لمدينة مريرت ( الشهير بيوم قيامته الصغيرة كل خميس). لا يمكن أن أنسى لحظة رجوع أمي من السوق مخضبة بدموع لا تشبه أي دموع. أشعاري الحمقاء الأولى كتبتها بانفعال محتدم لمرأى تلك الدموع التي شطرت كينونتي. وعبر نصوصي الأولى حاولت استرجاع تلك الزربية المفقودة، رمزيا وتخييلا. الزربية التي لا تقدر بأي ثمن.
هل ما أزال أفعل هذا الأمر في كتابتي الآن؟ لا أعرف. لكن هذه الحادثة لا يمكن أن يمحى أثرها الغائر من أدغال كينونتي.

• قلت، مرة، إن وجودك يخلو من أي قيمة أومعنى إلا مع ما سميته “اللعبة القاتلة الصاخبة الفاتنة واللاجدوى منها: الكتابة”، كيف يتحقق معناك، أو بالأحرى معنى وجودك، بما لا معنى له: (الكتابة)؟ وإذا كان لا بد من إضافة، فدعني أشير معك إلى العتبة التي صدّرت بها المجموعة الثالثة “منامات شجرة الفايكينغ”، والتي تراهن صراحة على الخيال والحلم سبيلا ل“العيش في عالم له معنى”… كيف تحتمي بقولة لا تنكر على الكتابة جدواها، فيما أنت تجرد الكتابة من المعنى؟ ودعني ألتفت إلى أن القصة دائما هي لعبة جادة على نحو ما جاء في ملحق أحمد بوزفور؟

لم أقل إن الكتابة لعبة مجانية. وأن أقول لا جدوى منها لا يعني عمليا أنها بدون معنى. ثم أحيانا ما ليس له معنى، له معنى متفوق على الذي له معنى كما يقول فلوبير.
عموما لا أذكر أين قلت هذا الأمر الآثم. الكتابة ليست امتيازا. وحياتي كانت ستكون أفضل بدون كتابة. لا أوهام لي في ما يتعلق بالكتابة.
أما مقولة النادر سي احمد بوزفور فأظنه يعني بها تماما ما قاله بورخيس: “أكتب بجدية الطفل الذي يلعب” …
وقد أسهبت طويلا في ما يتعلق بفضيلة اللعب المنسي في حوارات سالفة.
وأما عن الخيال والحلم فقد اكتشفت، منذ زمن مريب، أن الواقع جزء من الخيال وليس العكس، وبالاستناد إلى هذا المنطق المجازف تجنح كتابتي وحياتي معا. لست أحتمي بأي مقولة ولم أجرد الكتابة من أي معنى أكرر. الغرابة واقع مضاعف. والحلم لا يمكن فصله عن حقيقة ما يحدث إن في وضح النهار أو في إغماضته. القوة الجبارة للأحلام لم نلتفت إليها بعد ولم نستكشف معادن مناجمها المأهولة بالسحر والجمال والرموز المذهلة.
قصص “البستان” تتسلل إلى منطقة الأحلام هذه. تندمغ بإيقاعها المتاهي. تحاول قيافة أثر الدوامة. فليس محاكاة الحلم هو ما تسعى إليه الكتابة. وليس تدوين الغرابة المنسية في أفلاك مدارها الملغز. إنها مجازفة الذهاب في ما وراء الشيء الذي يبدو عاديا ومألوفا وواضحا؛ في ما وراء واقع يبدو ثابتا وجاهزا، بحثا عن نسق ملعون يحكم عبثية المصادفات وغموض الأشياء والتباس الوجود الذي ارتكبنا نسيانه.
عبر قوة الأحلام المهملة هذه، يمكن استكناه الجانب العاتم من حياتنا المعاصرة وإضاءة الوجود المعضل للذات والعالم.

أبقى عند حدود “العتبات” التي أرى أنها ليست، فقط، مفاصل ضرورية بين كتاب قصصي وآخر من ”بستان الغزال المرقط”، بل أراها إعلانا عن مغامرات كتابية مقبلة طالما أن الكتابة قدر يضعك أمام المتاهات والخناجر والنمور والمرايا كما جاء في “العتبة الأولى” ( قولة خ . ل بورخيص)، ثم أراها تتضمن الرغبة في الذهاب بالكتابة إلى الدرجة القصوى من الحلم حتى تلعب بالكون كيفما تشاء، أو“تمسك اللانهاية في راحة يدك“ على نحو ما جاء في العتبة/ المفصل الثاني ل”وليم بليك” والمفصل الثالث ل”رونيه ماغريت”… أسألك: كيف “تتعذب” مع اللغة كي تكون جامحة وعلى درجة قصوى من الحلم؟

لا أستسيغ الكتابة بطريقة إنشائية وخبرية وصحافية على حدّ ما هو شائع. اللغة مسألة مرعبة. وعلى الكاتب أن يحسم أمره في الأسلوب الذي يكتب به. ابتكار أسلوب خاص هو عملية شاقة لا بد منها لكتابة كي تكون أولا. وكي تقوم لهذا الكاتب قائمة أو قيامة ثانيا. والأسلوب الذي لا يشبه صاحبه لا طائل لأدنى إبداع من ورائه. الشقاء داخل اللغة ليس عذابا بل متعة خالصة أيضا. لا أتعذب مع اللغة إطلاقا بل أبادلها حبا بحب وغراما بغرام. مولع باللغة العربية حدّ الوله، هذا الإرث المذهل من الكلمات السحرية. ولا تتحقق لي اللذة الشاهقة في غيرها من اللغات. أستغرب كيف تهان بشكل تراجيدي في الأدب أوّلا، قبل حقول التعبير الأخرى وهي في انحدار مهول يشجع الركاكة ويحتفل بالهجانة وينحاز للإسفاف. أستفز خيول هذه اللغة التي تجمح بي في خرائط حلمها البكر. خرائط لانهائية. ولا أدعي أنني أمتلك مفاتيحها، إذ ما زلت أتعلم منها وسأبقى إلى الأبد.

يقترب أحمد بوزفور، في الملحق المرفق ب”بستان الغزال المرقط”، من شكل الكتابة لديك ويرى أن ما كتبت “حافل بالمتعة الجمالية الخالصة كأنه لا ينتمي إلى الأدب بل إلى الموسيقى”، وهذا يبدو واضحا من خلال خاصيات الشعر التي توسلت بها في كتابتك القصصية، ولحظات المجاز القوية التي تذهب باللغة إلى الأقاصي، أحب بالمناسبة الاستدلال على ذلك بما يلي: “اعشوشبت الطاولة المنتصبة أمام العجوز”، “اندلاع الغبار الأبيض”، “الشجرة التي أوغلت في تربة مخيلتي”، “النهار يرتق تبابينه بخيط السراب”،“المدينة المغسولة بلعاب الكريسطال”، بالإضافة إلى هذا التكرار البديع في المقطع التالي: ”أركض وتركض خلفي الأشجار، أركض وتركض خلفي الكمنجات، أركض وتركض خلفي الغيمات، أركض وتركض خلفي الإوزات، أركض وتركض خلفي كراسي الحدائق، أركض وتركض خلفي التماثيل…” (إلى آخر إيقاع الركض)؛ هل تسمح لي بالقول إنك تكتب، أحيانا، “قصة-قصيدة” (إذا صح لنا أن نبتدع هذا التجنيس)؟ وكيف ترى إلى سؤال الشعر في القصة؟

الموسيقى الملمع إليها في سؤالك لا تتحقق بالشعر وحده في القصة.
أن يكون لكتابتي القصصية قيمة فن الموسيقى أو تنتمي إليها بالأحرى أمر مفزع طبعا و مرغوب بشدّة حدّ الجنون. وأن يقولها كاتب من قيمة سي احمد بوزفور أمر يشبه رجّة مضاعفة في أغوار داخلي.
الشعر لا يتحقق بالقصيدة وحدها. الشعر خلفية كامنة في كل الأشياء. فبالأحرى عندما يتعلق الأمر بالأنواع الأدبية وفنون تدبير القول الحكائي وطرائق الكتابة السردية … ألم يقل أومبرطو إيكو عن البيان الشيوعي لماركس: أجمل قصيدة في التاريخ ؟
القصة القصيرة هي نموذج أمثل أيضا لتحقق الشعر والشعر في السرد القصصي لا يقتصر على إبداعية اللغة فقط أيضا. ثمة مقولة جارحة الدقة لكورتاثار: ” القاص فلكيّ الكلمات”.
ومن هذا المنطلق، فلست مع توصيف القصة / القصيدة لأن الأمر لا يقف عند هذا الحدّ التقويضي في نظري. فالقصص ذات نزعة تعددية تتواشج في كتاب يؤالف بين السينما والشعر، بين الموسيقى والصمت، بين الرسم والنحت، بين الأسطورة والتاريخ، بين الحلم والحقيقة، بين الخيال والواقع، بين الفكر والحياة …الخ
و العمل كما يبدو متوالية كتب قصصية؛ متوالية ليس بالفهم الخطي للمعنى ولا حتى العمودي. لنقل بفهم انشطاري. فكل كتاب مستقل بذاته، يمكن قراءته بمعزل عن الآخر. وفي الآن ذاته، يدخل مع تجارب الكتب القصصية الأخرى في علاقة دامغة تجعله ملتصقا بها بشكل من الأشكال، وهو التصاق واتصال يتحقق عبر الانفصال. وتلك هي المفارقة الصلبة.
وبالاحتكام إلى ذلك، فهناك من قرأ البستان كرواية وليس كقصص؛ وهذه فرضية واردة ولا يمكن أن أنفي شبهتها الدامغة.

جاء في ملحق أحمد بوزفور أنك ”تكتب بطريقة فرناندو بيسوا”، وأعتقد أن لا أحد من الكتاب المغاربة حظي بمثل هذا التشبيه. كيف استقبلت هذا الذي أعتبره تكريما ضمنيا لك من قبل القاص أحمد بوزفور؟ ثم كيف يتوزع إسماعيل غزالي على أنداده مثلما هو حال بيسوا؟

مرّة أخرى أقول إن قراءة سي أحمد بوزفور (بأكملها) استقبلتها بغبطة شاهقة، مع فزع في نفس الوقت. أليس الفزع هو الهدية الأولى للجمال كما يقول أفلاطون و يحوّرها رسام آخر: الفزع هو بداية الجمال.
لكنّ التشبيه العاتي هو حين مثّل للمسألة بنموذجيْ “ديونيزوس” و”أبولو” ليشخّص لعبة الأبدال والأنداد في قصص البستان.
لا أكتب بأكثر من اسم بل باسمي الواحد عكس الكاتب والشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا الذي كتب بأربعة أسماء (ريكاردوريس، كاييرو، البارودي كامبوس ، برنارد سوارش) فضلا عن اسمه الحقيقي.
فكرة التوزّع على أنداد وأبدال، تحتكم إلى المتعدد الواحد. إنها نفس الحالة المتعددة للبلد الواحد الذي أعيش فيه (المغرب): التعدّد العرقي والجغرافي والثقافي. وموجز تاريخ هذا التعدد ربما انعكس ضمنيا داخل موجز تاريخ الكتابة لديّ. هذا فهم عامّ وأوّليّ للمسألة.
الفهم الجوّاني يحتكم إلى التناقضات الشّعواء لكينونتي التي لا يمكن أن يحيط بها شكل أحادي الرؤية. زخم الوجود المتشعّب هذا يجد الطريقة المثلى في التعبير عن الرؤية إليه عبر أكثر من نمط مبتكر وخاص، عبر أكثر من لغة داخل اللغة الواحدة. عبر أكثر من موقع يعي تماما خطورة التعامل مع الداخل والخارج:
( فالذهني يبدع طريقه في هندسة الأشياء. مهووس بشكل المتاهة. بالنظام الشيطاني المجهول الذي يقف خلف لانسقية ما يحدث.
والخيال مغامرة لامشروطة في لانهائية العدم. تخطيط العدم لا يلغي التاريخ والواقع.
و الوجداني موغل في سديم التجربة الحرّى. الحواس هنا مشبوبة تتناقل غزل الدهشة بخيوط مفتولة من قنب الجنون.
ثمة استغوار للذاكرة واستقصاء للذات وإعمال تأملات لاذعة في الفكر والحياة، استكناه للأحلام وانزلاق صامت إلى متحف الطفولة الشبيه بمتحف الأبدية.
فضلا عن يقظة الالتقاط لعين مؤرقة تصر أن ترى ما لا يرى، عين شاخصة في غابة الأشباح تسترد من معسكرات الهباء ما شرد من أشكال وما اضمحل من كيمياء العناصر. وعبر النظرة الخائضة في معترك الظلال، يستيقظ البركان النائم تحت قشرة الوعي و يلهج بفقاعات حمم يدلقها في سماء البرهة، يتلقفها وعي مارق بعد أن يوغل بها الخيال أبعد ما يكون، ويتوهم أنه يحاصرها ضمن منطق يفترضه، فيكتشف أن لحظة الكتابة مكرت به، لحظة الكتابة مجتمعة هي ما يصنع لحظة النص ككل.
وخلف هسيس هذه الالآت اللئيمة يشخص الجسد كجغرافيا لاحدود لها وكتاريخ مفرط في الغموض.
الجسد لامتناه … لم يكتشف بعد …)

وعلى هذه الخريطة الهذيانية يتوزع الأبدال و الأنداد …

أنت “غزال القصة القصيرة بالمغرب” كما ورد في الملحق المذكور؛ أعتقد أن في ذلك كناية على “رشاقة” الكتابة لديك، وأعتقد أن في ذلك إشارة إلى حساسية لافتة (قد تختلف مع حساسيات “ذئب القصة” أو “ثعلبها” …إلخ). كيف استقبلت هذا التوصيف؟ وبأي معنى أنت ذاك الغزال؟

إن كان التوصيف له علاقة بعنوان الكتاب، فدعني أشرح لك مسألة أوّلية:
تخيلتُ بستانا غريبا يدلجه المولعون بالنبات اللامألوف والوحيش المريب، وضمن الوحيش هذا غزال أرقط. وحين يظنّ جوّاب آفاق البستان بأنه ذرع متاهته طولا وعرضا ولم يعثر على هذا الغزال الذي سُمّي به البستان، يدرك في النهاية أن الغزال هو جسم الكتاب والخطوط أو الدوائر التي ترقّشه هي القصص التسع و الثلاثون. وأما البستان فهو الكتاب الجامع نفسه.
هذا ما يضمره العنوان الذي قرأه كثيرون بإحالة التوصيف على ذات المؤلف. عنوان الكتاب انزلق إلى ذهني في آخر لحظة وقد كنت أنوي تسميته سلفا: ” خيط أريانا”.
أن أكون غزال القصة المغربية وفق توصيف سي أحمد بوزفور، لقبٌ أعتز به، ولا يشوبني أدنى ظنّ في القيمة الجمالية للتوصيف المريب، القيمة الأدبية المؤسسة على المنجز القصصي للكتاب.
أما إدراج التوصيف على سبيل الغمز في سؤالك ضمن أنطولوجيا وحيش الحساسيات التي ذكرتها و هذا مستبعد جدا، فالمسألة تختلف طبعا: قد أكون نمرا متخفيا في جسم غزال كما ألمعتْ إحدى القراءات في نصوص البستان.

كيف ترى إلى هذه الأحوال؟ القصة القصيرة بالمغرب؟

تعتورها البهرجة الزائفة، شأنها شأن القصة القصيرة العربية تعاني فقرا مهولا في الخيال، وكتابها الملاعين نادرون.

حال العلاقة بين القصاصين؟

صداقات زائفة . عداء غير منتج. أحقاد ذات نزوع مرضي ومجاملات مفرطة في الوضاعة.

حال النشر بالمغرب؟

أردأ الأحوال. كارثي ومهين.

حال المتابعة النقدية لمتن القصة القصيرة بالمغرب؟

مع احترامي لبعض التجارب الرّصينة على ندرتها المتقشّفة ( وهي أكاديميّة في الغالب ). المتابعة النقدية غير منصفة. متابعة زائفة ومضلّلة. مكرّسة للرّديء وهي صورة من صور انحطاط اللحظة التّاريخية. الأخطر من ذلك استشراء ظواهر بائسة لمتعلّمين تعوزهم أبخس الأدوات الجمالية، يعيثون – عبر مهرجانات تعيسة ومحافل بائسة – في الذّائقة فسادا.
عموما نادرا ما تقرأ نقدا حتى عالميّا ( باستثناء تجارب صفوة ملعونة من القصّاصين ) وتلفي شيئا ملفتا وتستمتع به.
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6227324   Visitors since 7-9-2002