المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





مقابلات
 

حوار مع الكاتب الروسي إدورد ليمونوف

  
كريستينا روتكيرخ
  
ترجمة: د. تحسين رزاق عزيز
  


ولد إدورد فينيامينوفيج ليمونوف (سافينكو) في 22 شباط عام 1943 في مدينة دزيرمينسك مقاطعة غوركوفسكيا في عائلة عسكري. درس في معهد التربية في خاركوف. بدأ بكتابة الشعر في عام 1958. نفذ في كانون الثاني عام 1958 عملية سطو على احد المخازن و استمر بممارسة هذا النشاط حتى سن الواحد و العشرين. و عمل بمصنع لصهر المعادن ثم أصبح عامل بناء و منصب في البنايات العالية.
اقترب في عام 1965 من الأوساط الأدبية البوهيمية في خاركوف و انتقل في العام 1967 إلى موسكو، حيث تعرف على جماعة اندرغراوند الأدبية المسكوفية (و هو اتجاه في الموسيقى و الأدب و الفنون التشكيلية اشتهر في نهاية ستينات القرن العشرين و ارتبط بالبحث عن وسائل تعبير جديدة. أنضم في عام 1971 إلى جماعة (كونكريت) الفنية الأدبية غير الرسمية. و كان يحضر ندوات ارسيني تاركوفسكي.
و كان يتكسب لبعض الوقت من عمله بخياطة البنطلونات و صدرت في عام 1968 مجموعته الشعرية الأولى ((كروبوتكين و قصائد أخرى)) (تم طبع الكتاب و استنساخه بصورة سرية و غير رسمية) و اصدر ليمونوف بهذه الطريقة خمس مجموعات شعرية من نتاجاته (هاجر في عام 1974) و عاش في نيويورك. و اشتغل عام 1975 – 1976 مصححاً في صحيفة ((الكلمة الروسية الجديدة)) في نيويورك.
بدّل خلال عدة أعوام مهنته ثلاث عشرة مرة و كثيراً ما كان يبدل محل سكنه، تقرب في الأعوام 1975 – 1976 من التروتسكيين الأمريكان ((Socialist Workers Party)) و كان يحضر اجتماعاتهم.

اصدر ليمونوف في عام 1979 روايته الأولى الفضاحئية ((هذا إنا – اديجكا)) و نشر في ذلك العام مجموعته الشعرية ((شيء ما روسي)) و تحول في بداية الثمانينات إلى فرنسا و حصل في عام 1987 على الجنسية الفرنسية تمت في تشرين الاول عام 1991 اعادة الجنسية السوفيتية له. انتقل نهائياً الى موسكو في عام 1994. و كان للفترة من 1990 – 1993 قد عمل كاتباً دائمياًً في صحيفة ((روسيا السوفيتية)) و أقام بصفته صحفياً لفترات في كل من يوغسلافيا و أبخازيا و بريدنيستروفيا. و كان يقر بأنه كان يأخذ بيده السلاح اينما حل. و شارك ثلاث مرات بصورة جزئية في المعارك بجانب الصرب.
صار في مايس عام 1993 قائداً للجبهة البلشفية القومية. و بعد فترة بدل اسم مجموعة أنصاره إلى الحزب البلشفي القومي. و أسس جريدة ((ليمونكا)) الحزبية. رشح نفسه في عامي 1993 و 1995 إلى مجلس الدوما الروسي لكنه لم يفز بالانتخابات. في نيسان عام 2001 تم اعتقاله بتهمة حيازة السلاح. حكم عليه في عام 2003 بالحبس لمدة أربعة أعوام و تم إطلاق سراحه قبل ان يكمل فترة محكوميته. يمارس حالياً النشاط المعارض.

** *

* كان بودي إن يقتصر الحديث معك على الأدب و عن نثرك فقط. لكنك في الأعوام الأخيرة غالباً ما كنت تردد إن الأدب لم يعد يشكل أهمية بالنسبة لك أو على الأقل لا يشكل أهمية كبيرة بهذا القدر.

- نعم، إنا هكذا اعتقد. إنا بالأساس مشغول منذ عام 1993 بالسياسة. لكن بعد إن دخلت السجن – كنت في السجن منذ عام 2001 حتى عام 2003 . كتبت ثمانية كتب و لم أكن أتوقع ذلك. من المحتمل إني لم أكن لأكتب هذه الكتب لو لم أكن في السجن.

* لكنك رغم ذلك قلت قبل فترة انك منذ 1980 تعيش من الأدب و انك وضعت لنفسك هدفاً. هو إن تعتاش فقط من الأدب.

- هذا هو واقع الحال فانا اكتسب المال إما من الأدب أو من الصحافة. إنا اكتب لعدد من الصحف اللامعة في روسيا و كذلك لبعض إصدارات الانترنيت و بهذا احصل على المال.
* أليس ذلك ممتعاً لك؟

- غير ممتع. إنا كتبت عندما كنت في السجن بعض الكتب و لكن ذلك لم يكن ادباً فنياً. بل كتب – على شكل مقالات، ذكريات إذ إني لم اكتب و لا رواية واحدة بعد 1990.

* يمدحونك على لغتك الواضحة و نظراتك الثاقبة للواقع. يبدو انك دائماً ما تكتب عن نفسك و عن ما تعاني منه و تراه مباشرة. فهل هذا صحيح؟

إنا لا أحب الرواية و لهذا فان كتبي ليس فيها Fiction. و جميعها، بشكل أو آخر، عبارة عن مقالات. حيث اقتصر توجهي منذ عام 1990 إلى هذا النوع من الفن - المقالات- المذكرات.

* هل توجد في حياتك فترة معينة أو إحداث معينة لم تذكرها في كتاباتك؟

- ربما توجد إحداث لم اكتب عنها. القضية و ما فيها إني عندما اكتب عن نفسي أو عندما أتعرض للكتابة عن مصير احد الشباب كما في كتاب ((المراهق سافنكو)) كنت اتخذ ذلك لاستعراض العصر كله. كان ذلك عام 1958. و قبلها عندي كتاب ((كان عندنا العصر العظيم)) في عام 1947. حين ترأى لي إني استعرض في ذلك الكتاب تاريخ حياتي و لكني عن طريق تاريخ الطفل و المراهق و الشاب عرضت العصر و الناس في ذلك العصر. و هو تقرير صحفياً من الماضي له خصوصيته.

* يهمني إن اعرف كيف تكتب لكي تعطي انطباع اللا مباشرة ، ربما انك تكتب بسرعة و بدون تعديل.

- إنا اكتب بسرعة و ربما، الجميع يكتبون بسرعة. و لدي كتاب ذكريات اسمه ((كتاب الأموات)) ألفته في أربعة و عشرين يوماً و ذلك قبل اعتقالي. إما مقالاتي فانا اكتبها بسرعة، اجلس و اكتب، و لا اجري أي تعديلات عليها.

* هل تكتب بيدك؟

- نعم، اكتب بيدي. بعد دخولي السجن صرت اكتب بيدي على العموم.

* يبدو انك كنت تقرأ كثيراً، منذ نعومة اضفارك، و لم تقتصر قرأتك على كتب الأطفال بل قرأت حتى دارون و الموسوعة السوفيتية الكبيرة.

- ذكرت في احد كتبي إني كنت أتردد على المكتبة. كنت قبل سن الخامسة عشرة لا أحب الشعر و لا اقرأه. و لكن أمينة المكتبة اقترحت عليّ قراءة إشعار بلوك و بعد إن قرأتها صرت إنا نفسي اكتب الشعر.

* وهذا يعني إن ما اثأر إعجابك في الأدب الفني هو الشعر بالذات؟

- على كل حال إنا صرت أكتب الشعر سواء أعجبني الشعر أم لا. و فهمت إني استطيع إن اعبر عن نفسي بهذا الشكل بالذات.

* لكنك بدأت شاعراً، و استناداً إلى ثلاثيتك عن سنوات الشباب فان حقيقة كونك كتبت الشعر و أنت لا تزال صغيراً، قد أثرت على حياتك. و لولا ذلك لكنت بقيت في خاركوف؟

- لا اعرف. و لا أريد إن ابني افتراضات. و إنا لا أقوم بتحليل حياتي الخاصة أو بالتحليل النفسي لشخصيتي. إنا استوعب نفسي كما هي.

* كتبت ثلاثية خاركوف في باريس في الثمانينات، كما يقول النقاد كانت مزوّقة على طريقة غوركي. فهل ساعدتك، برأيك، حقيقة انك كنت تعيش في عالم آخر، أي خارج البلاد؟

- إنا لا أرى ذلك. لقد قرأت ((يوميات لص)) لجان جنيه و فكرت باني حسناً اصنع لو كتبت شيئاً ما مشابهاً لأن لدي مسارا مشابها في الحياة آنذاك عنده ذكريات في ((يوميات لص)) عن شبابه و عن بداية مراهقته. و هكذا حاولت أيضا و كتبت عن صباي المنحرف. كتبت في البداية ((المراهق سافنكو)) و من ثم الفت كل الكتب الباقية.

* ماذا تعني لك خاركوف اليوم؟

- لا شيء مطلقاً. لا ارتبط بأي علاقة مع أي احد هناك. بقيت هناك أمي العجوز التي تبلغ الخامسة و الثمانين من العمر.


* يعني انك تذهب إلى هناك بعض الوقت؟

-إنا لا اذهب إلى هناك لان السلطات الأوكرانية منعت دخولي إلى أوكرانيا. لم اذهب إلى هناك منذ عام 1994 و حاولت الذهاب توفي والدي في ذلك العام.

* انتقلت نهائياً في عام 1967 إلى موسكو. و حدثت في حياتك تحولات كثيرة لكن ربما، كان واحداً من أهمها هو مغادرتك لمدينتك و الانتقال إلى ((طبقة اجتماعية أخرى)) إلى طبقة الكتاب ((الحقيقيين))؟

- لقد صرت شاعراً و إنا لم أزل في خاركوف و لكن ذهبت إلى موسكو لأني كنت اعتقد إني يجب إن أكون في مركز بلدي و التي يجتمع فيها أفضل الشعراء. لم يتضح لي تماماً سبب ذهابي إلى موسكو لكني اعرف إن تصرفي هذا كان صحيحاً.

* و كيف استقبلتك موسكو؟

- لم تستقبلني موسكو ابداً. لم تكن لدي في موسكو لا شقة و لا عمل و لا إقامة لكني عشت هناك سبعة سنوات و من ثم غادرت البلاد.

* لكن مغادرتك للبلاد لم تكن طوعية؟

- تعقدت ظروفي بحيث كان الأفضل لي إن أغادر.

* كان ذلك قراراً صعباً؟

- هل تعرفين إني لا اعتقد إن ذلك كان قراراً صعباً. قالوا لي بأنهم سيسجنونني و قد قبض علي رجال الكي جي بي في تلك الفترة و استدعوني للتحقيق و قالوا لي في النهاية إذا لم أغادر فأنهم سيسجنونني و عندها فضلت المغادرة.

* ما هو السبب؟

- يصعب جداً تفهم الأسباب. كانت فترة السبعينات التي حاول فيها الاتحاد السوفيتي و الكي جي بي التخلص من جميع العناصر المضادة للمجتمع، حسب رأيهم، بما فيهم انا.

* المرحلة الأخرى التي، ربما، لا تقل أهمية عن تلك، كانت التحول من الشعر إلى النثر و النقد كما تعرف ، و يحترمونك كشاعر أكثر مما أنت ناثر.

- هذه عودة إلى الماضي، و إنا منذ زمان لم اكتب الشعر و لم اسمع مثل هذا الرأي .



* مثلاً، بيتر وايل يقول انك بالذات شاعر حقيقي.

- و من هو بيتر وايل هذا؟

* هو أديب و كاتب مقالات نقدية. هذا رأيه فيك.

- هذا رأيه الصغير. أنهم لا يريدون إن يعترفوا إن شخصاً كان يعيش معهم في نيويورك، و كتب عدداً من الكتب الرائع. إنها ضربة لكبريائهم. لهذا هم يكررون إني أعجبهم كشاعر. و إنا لا اعتقد حتى باني أعجبهم باعتباري شاعراً. هؤلاء أناس يقودهم في تقييماتهم حبهم لذاتهم. أنهم ليسوا موضوعيون.

* بدا نشاطك الأدبي من كتاب ((هذا إنا اديجكا)) و الكثيرون يرون إن هذا أهم نتاج أدبي لديك و أنت نفسك قلت ذلك في كتاب ((في الأسر عند الأموات)).

- إنا لا أتذكر، و لا يمكن إن اكتب مثل ذلك لأني أرى إن كل كتبي هي الأفضل. و كتبي الكثيرة هي متنوعة. و في عصور مختلفة – و كتب مختلفة.

* لكنك كيف تقييم هذا الكتاب اليوم؟

- اعتقد انه كتاب ممتاز. المعاصرون لا يستطيعون ابداً امتلاك فهم واضح لما يصَوَّرُهُ هذا الكتاب أو ذاك و لكن بعد إن نمضي نحن يستطيع الجيل القادم إن يتفهم و تتضح الأمور كلها. و إنا اعتقد، على العموم، إن ذلك الكتاب الثوري الانفجاري كان ضرورياً. و أرى كذلك نجاحاً كبيراً عندما تضرب على وتر العصر. و بعد ذلك ألفت عدة كتب أخرى رائعة بما في ذلك ((في الأسر عند الأموات)) و ((في السجون)) و ذكريات ((كتاب الأموات)) و الناس يفضلون بشكل أو أخر النتاجات التي تستجيب لأذواقهم و رغباتهم الشخصية. و هذا ليس موضوعياً ابداً. الموضوعية لو إني اقتصرت على تأليف كتاب ((هذا إنا اديجكا)). و لكن ذلك يمثل فقط مقطعاً من الدائرة، و إنا كاتب كبير و لست كاتباً لموضوع واحد، و لدي كذلك مواضيع أخرى، و آلاف المواضيع المختلفة.

* لنتحدث بعد عن كتاب ((هذا انا – اديجكا)). كتب يوري مامليف عنك. ((تم تحت نظري تأليف كتابه النثري الأول، و كان الكتاب مشحوناً بالغضب و المعاناة. و الكتاب من حياة نيويورك نفسها، من تلك المعاناة، التي تحملها هناك.

- لم أكن ابداً صديقاً لمامليف. هو يكتب، هذا الأمر يعود له، الكثيرون يكتبون بمختلف الحجج.

* كل الشخصيات في كتبك. هم نساؤك و أصدقاؤك، و كل الشخصيات دائماً مسماة بأسمائها الحقيقية.

- لا هذا غير صحيح، ليس الكل.

* على كل حال، الكثير من الشخصيات مسماة بأسمائها. زد على ذلك انك تقول انك احياناً ((قاسي مثل الحجر)) و تكتب ((بلا خجل)) عن الناس الذين كانوا قريبين منك. لماذا؟ ربما يصعب عليهم قراءة ذلك؟

- لا يهمني ذلك.

* يوجد في كتبك التجديد و الشيء التقليدي. فكيف ترى مكانك في الأدب الروسي؟

- في الواقع، إن ذلك ايضاً لا يهمني. يعجبني غوغول، خاصة تراس بولبا. وقليلاً قسطنطين ليونتيف، يعجبني باكونين و اسلوبه، رغم انه ليس كاتباً تماماً و شيء ما عند دوستويفسكي، الثلث الأول من ((الجريمة و العقاب))، يعجبني فليبنيكوف كشاعر و هو بلا شك شاعر القرن العشرين الروسي العبقري.

*و من المعاصرين؟

- المعاصرون، كقاعدة ، لا يلبون معاييري. لا يوجد بينهم من يثير إعجابي اليوم.

* تتحدث في ((كتاب الأموات)) بصورة سلبية كثيراً عن الكتاب الآخرين – برودسكي، على سبيل المثال، حسب رأيك ((شاعر لينينغرادي متوسط للغاية، و الكتاب المحترفون على العموم – هم ببساطة ((مكررون أغبياء...

- على العموم، كنت في فترة ما، مهتماً بكل هؤلاء. لكن بالتدريج لم اعد اهتم بمثل هذا الأدب.

* كان من الغرابة أن تقرأ الصحافة الروسية في صيف عام 2002. كتبت الصحافة عن السجين ليمونوف و في الوقت نفسه مدحوا كتابك الأخير ((كتاب الماء)). النقاد، على سبيل المثال، كانوا يرون إن هذا ((الكتاب هادئ و مليء بالحكمة)). فهل استطاعت هذه المقالات إن تفرحك في السجن؟ اعتقد انك كنت مسجوناً في ليفورتوف؟

- كنت في صيف عام 2002 مسجوناً في السجن المركزي بساراتوف. و كانت قراءة تلك المقالات ممتعة لي. لكنك تعرفين ان النقاد الأذكياء العباقرة قليلون. أنهم نادر ون، بالضبط، كما هو حال الكتاب البارعين. و النقد بالأساس إما مدح البضاعة أو العلاقة السلبية بها.

* في كتابك الذي ألفته في السجن تتحدث باهتمام كبير عن وسائل الإعلام الجماهيري، عن التلفزيون و عن الراديو. فهل كنت تحصل على الصحف؟ هناك القليل مذكور عن الصحافة المطبوعة.

- لم انو الكتابة عن كل شيء. كتبت عمّا كان يثيرني، عندما كنت طلقياً لم انتبه إلى عالم البوب هذا، و هذه الموسيقى الروسية الشعبية، لأني لم افتح المذياع، إما في السجن، في ليفورتوف. فانا مجبر على سماع كل ذلك. لهذا كنت مجبراً على قول رأيي. قليلة هي الإحداث التي تجري في السجن، لهذا يجب إن أتناول مثل هذه الأشياء الصغيرة. و لكني كنت احصل على الصحف، نعم. سمحوا لي و كنت استلمها.

* منحت في السجن في كانون الأول 2002 جائزة اندريه بيلي الرفيعة على نفس الكتاب و ذلك على جودة النص من الناحية السياسية و الشعرية.

- جائزة اندريه بيلي لا تمثل، بطبيعة الحال، أي شيء يذكر يمنحون عليها روبلاً و قنينة فودكا.

* و لكن صيتها حسن!

- لا اعرف مقدار سمعتها. إنا أفضل لو حصلت على جائزة نوبل.

* قضيت في السجن أكثر من سنتين. لقد قلت في كتابك ((في الآسر عند أموات)) عن ليفورتوف: ((كل يوم في السجن هو معركة من اجل الذات)). فكيف ساعدك عملك ككاتب في هذه المعركة؟

- بلا شك ساعدني، طالما إني لم أتمكن من التعبير عما أردت إن أقوله في الحرية، فقد تمكنت من قوله في السجن. لكن ما كتبته هناك لم يكن معداً للطرح خارج السجن. انحصرت المأثرة الأساسية في نقله إلى خارج أسوار السجن. و سمحوا لي بالكتابة لكن لم يسمح لي احد بنقله إلى خارج السجن. المأثرة كانت بالذات في إن مخطوطاتي وصلت إلى خارج السجن، فقد تمكنت من إيجاد الفرصة لنقلها رغم أنهم كانوا قبل كل استجواب او لقاء مع المحامي يقومون بتفتيشي.

* المخطوطات التي تمكنت من نقلها خارج السجن، هل تمكن المسجونون من قراءتها في السجن؟

- كانت قصاصات تم تصفحها.

*هل بقيت كما كتبتها؟

- لم تكن في كل الحالات، رقابة، و لم أرسلها عن طريق القنوات الرسمية نقلتها بصورة سرية.

* كتبت كذلك إن السجن هو تدريب على الموت. بعد قراءة ثلاثيتك، يبدو إن هذه التجربة لم تكن سلبية فقط.

- اعتقد أنها كانت تجربة ايجابية، بلا شك. كانت تجربة ضرورية بالنسبة لي. أنها تصّوف و رهبانية و بروفا على الموت. خرجت من السجن و إنا أكثر حكمة و عليه أقول شكراً للسجن.

* الم يكن لديك إحساس بأنك فقدت شيئاً ما؟

- لم يكن عندي مثل هذا الإحساس. بل بالعكس وجدت أشياء. كان ذلك ضروري لي للغاية.

* إذا فهمتك صحيحاً، هذا يعني إن نزلاء السجن و الجنود على السواء كانوا يتعاملون معك بطريقة جيدة بما فيه الكفاية.

- نعم، الغالب، تعاملوا معي باحترام. حسب ما يبدو لم تكن أوامر... السلطة كانت واثقة من نفسها. السلطة كانت واثقة من التهم التي أعدتها دائرة التحقيق الكبرى في جهاز الأمن الفيدرالي (FSB) الروسي و كانت النيابة العامة واثقة بان هذه التهم لا يمكن دحضها، فلم يكن هناك داعي لاضطهادي في هذه المرحلة من السجن. النيابة العامة أعادت التحقيق بعمل جهاز الأمن الفيدرالي. و بالنتيجة صادقوا بالكامل على الحكم. و حتى إن المحكمة كانت علنية. و لم يكن ذلك بطلب من المحكمة بل إن (FSB) نفسهم رفعوا نظام السرية عن هذه المحكمة قبل بداية المحاكمة بقليل. كانوا يأملون إن يجعلوا منها مثلاً استعراضياً رائعاً و لم يقلقوا قيد أنملة. و لم يكونوا بحاجة لتوقيفي بطريقة تعسفية. لأنه بعد ذلك كانت تنتظرني خمسة عشر سنة في السجن الذي يأملون باني سوف لن اخرج منه. لهذا لا يوجد هنا أي تناقض. فلو أنهم عرفوا إني سآخذ أربع سنوات و اخرج بعد سنتين و نصف لكانوا قد سعوا إلى إن يجعلوا حياتي صعبة. و هكذا هم لم يسعوا...

* أنت كنت، طبعاً شخصاً معروفاً. و تابعتك وسائل الإعلام الجماهيري؟

- تابعت وسائل الإعلام و لكن. طبعاً، ليس بذلك القدر الذي تابعت فيه قضية خودوركوفسكي. و طبعاً، العلاقة بي لم تكن بسيطة عند مختلف فئات مجتمعنا. سمعتي، مثلاً، لم تعجب الانتليجينسيا جداً. رغم أنهم أنفسهم مسئولون عن تكوين مثل هذه السمعة بالذات فلو إني مَكثتُ في السجن بضع سنوات أخرى لكنت قد خرجت و انا، بلا شك، بطلاً كبيراً.

*توجد في الأدب الروسي نتاجات غير قليلة تتناول وصف السجون. إلا إن ثلاثيتك فريدة من نوعها – لان فيها الوضع الحالي ليس هناك معتقلون سياسيون بل مختلف أنواع المجرمين. يبدو أنهم طلبوا منك مباشرة كي تكتب من اجلهم؟

- نعم، هذا الذي جرى. يضم كتاب ((في السجون)) عدة مجموعات من الناس الذين تمت أدانتهم إثناء وجودي أو في نفس الوقت معي و الذين سنحت لي الفرصة للتعرف إليهم. هناك مساجين كثيرون، ففي سجن ساراتوف المركزي وحده حوالي سبعة آلاف مسجون في تلك الفترة. لم أتمكن من التعرف عليهم جميعهم لكني تحدثت عن بعض حكاياتهم. كنت اعتقد إن ذلك من واجبي.

*هل حصلوا على هذه الكتب، و هل قراؤها؟

- نعم، إنا اعرف إن احد إبطال كتاب ((في السجون)) الغجري ( هكذا كان ينبزوه المساجين) أتيحت له فرصة قراءة الكتاب فقرأه. و كان فعله، طبعاً، ايجابياً، لأنه كان مسرورا لكوني تحدثت عنه. و قد حكم عليه بالسجن المؤبد و لا يزال هناك في مكان ما يتعفّن.


* تضم ثلاثيتك عن السجن عدد كبير من الصور المباشرة و الحقيقية للمساجين. أنها تقريراً صحفياً اجتماعياً قوياً و كذلك هي أدب قوي التأثير. و هنا المساجين أنفسهم إبطال الروايات لا أنت؟

- بلا شك، إن هدف الكتاب هو هذا بالذات. عرض مصائر الناس.

* فهل عرفت شيئاً ما جديداً عن مصير روسيا عن غير هذه المصائر في هذا الوسط؟

- أنت تعرفين إني دخلت السجن، عندما كان عمري ثمانية وخمسين سنة فأي شي جديد، من حيث المبدأ، بقي لكي اعرف. لكن الجديد هو عن هذه الكواليس و عن ما هو معزول وراء القضبان من الحياة الروسية. و عن هذا العالم الوحشي الرهيب الذي يصادفك هنا في كل دقيقة و ثانية. ففي موسكو نفسها يوجد في السجون يومياً اكثر من سبعين ألف معتقل. انه عالم آخر بجانب عالمنا، لا يريد مجتمعنا إن يفكر به أو يحاول إن يتناساه دائماً. لقد تمت معاقبة هؤلاء الناس، كما أرى، بصورة قاسية و زيادة عن اللازم كما هو حال الجميع في روسيا، هنا يجري استعراض لقساوة الدولة و قساوة القوانين و لقساوة البشر.

*عندما تلتقي بالسجناء الآخرين هل تظهر لديك نظرة باطلة مسبقة عنهم؟

- لا توجد عندي أي تصورات مسبقة باطلة، كيف يمكن إن تكون هذه التصورات؟




* ألا ترى كم هي التصورات الباطلة المسبقة عن الشيشان في موسكو!

- هناك المصير المشترك: مأساوي و رهيب لكن مصير الشيشان أكثر تراجيدية من مصيرنا و كنا نعاملهم كأخوة لنا. و كيف كان يجب إن ننظر إليهم؟ ننظر إليهم كأخوة لنا في المعاناة. القضية تختلف لو صادفتهم في المعركة، إن صح القول، سيكون الموقف آخر. إما في هذا الوضع فنحن نشعر إننا إخوة، و هم كذلك كانوا يروننا إخوة لهم بالمعاناة. إضافة لذلك، إنا أومن، أنهم أناس يستحقون الاحترام لأنهم يقاتلون من اجل استقلال بلادهم.

*باعتبارك مراقبا لحياة السجن بقيت تحافظ على أسلوبك باختصار و لكن يمكن تحسس التعاطف و الاحترام للمعتقلين في كتاباتك.

- نعم، بلا شك، و أظن إني تمكنت من التعبير عما أردت إن أقوله.

* لقد كتبت في عام 1998 في مقدمتك لـ ((مجموعة النتاجات)): ((إني في الأدب الروسي عابر سبيل لا غير)). و لكن بعد ذلك أصدرت أكثر من عشرة كتب...؟

-الحقيقة إني افترضت ذلك لكن، إلا ترين، القدر حكم بطريقة أخرى. و جرى القدر بالشكل الذي جعلني اكتب عدة كتب أخرى. بالمناسبة إنا الآن ألفت كتاباً آخر يصعب جداً إصداره، انه كتاب سياسي.

* ( ليمونوف بمواجهة بوتين).

- نعم، هذا أيضا احد كتبي التي لم أكن أفكر أبدا بكتابته لكني ألفته و هو اتهام من نوع خاص و تم إصدار الكتاب بصعوبة كبيرة لم ترغب بأخذه و لا دار نشر واحدة و دار نشر (Ad Marginem) لم تأخذه و لما كانت المسؤولية كبيرة فإنها ربما ستؤدي إلى تحطيم دار النشر. و لقد صدر الكتاب بصورة سرية.

* صدر الكتاب بصورة سرية و مع ذلك هو يُباع؟

- الكتاب يباع في محل ((فالا نستر)) و في بعض المحلات الأخرى.. انه كتاب إثباتات جدية يستند على الكثير من الاستشهادات و الحقائق انه كما قلت خلاصة اتهام.

* كتاباتك كثيرة و الانفعالات العاطفية منوعة ابتداءاً من الكره المطلق إلى الاحترام العميق، فهل أنت واثق من إمكانية الاستشهاد بعباراتك و اقتباسها مثل: ((ستبقى كتبي))، ((هذا انا – اديجكا))، ((يوميات فاشل))، ((كان عندنا عصر رائع))، ((المهم هو قدري)). و هل تتذكر هذه الكلمات؟

- لا أتذكر. إنا لا أفك رموز العبارات، لأنها كثيرة. فلو اقتبسنا عبارات كارل ماركس لوجدنا فيها اختلافاً كثيراً و كذلك الكتاب المقدس. الشخص الذي يكتب كثيراً، و يعطي الكثير من الأحاديث الصحفية، لا يمكن ان ننظر لكلامه خارج النص و المكان و الزمان الذي قاله فيه.

* معروف إن لك إتباع في السياسة و يبدو ان لك، الان، اتباع في الأدب أيضا صدر مؤخراً كتاب ((عصر الليمونكا)). و هو مجموعة نثرية شبابية تحت إشراف ادورد ليمونوف. فما هي الأشياء التي يتبعك بها هؤلاء الشباب؟

- لم أقم بتحرير الكتاب بل كان ذلك ما كتبه هؤلاء الناس أنفسهم و أعطيتهم اسمي فقط.

*إذن أنت لا ترى إن لديك مدرسة أدبية معينة؟

- نعم، لدينا مدرسة. فقد أسست في عام 1994 جريدة ((ليمونكا)) و كنت رئيس تحريرها خمسة سنوات. و قيل ان جريدة ((ليمونكا)) كانت وسطاً سياسياً و أدبيا منعشاً استطاع تربية عدد من الكتاب و إعدادهم. حيث بدأوا بالنشر لأول مرة عندنا و ثم نشر قسم من كتاباتهم في مجموعة ((عصر الليمونكا)). لكن ليس الجميع هم من إتباع هذه المدرسة مطلقاً. و صار الكثيرون ينشرون كتاباتهم في صحيفة ((ليمونكا)) و بعد اثنا عشر سنة أصبحت مدرسة كاملة بذاتها كما يبدو.

* يرى الكثيرون إن ((قدر ليمونوف – هو قدر فنان و ليس سياسي))، لكنك ربما، لا توافقهم الرأي؟

- لا أوافقهم الرأي مطلقاً. إنا أسست حزباً سياسياً ناجحاً بما فيه الكفاية و هذا الآن واضح للعيان. الناس بالأساس. يقيسون على شيء واحد. عندما كنت اكتب الشعر، كانوا يقولون إن إشعاري لا تعجبهم. و عندما صرت اكتب النثر قالوا شعره جيد و لكن النثر لا يصلح لشيء وعندما أصبحت صحفياً قالوا لي : (لماذا تحشر انفك في الصحافة؟ لقد كنت ناثراً و روائياً رائعاً)). عندما تحولت من صحفي سياسي إلى سياسي صاروا يقولون لي كذلك: ((أنت كاتب عبقري، إما كسياسي فأنت لا شيء)). و في كل مرة كنت اجتاز هذه الحواجز و لم ألتفت إلى الرأي العام، لأنك لو ألتفت إليه فسوف لن تتطور أبدا. يجب إن تقفز أعلى و إن تركض مسافة ابعد يجب إن تصبح كبيراً بالقدر الذي تستطيعه و لا تبالي بالناس الذين يحاولون إيقاف تطورك. اعتقد إني سياسي ممتاز و الكثيرون الآن يعترفون بذلك.

 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6339220   Visitors since 7-9-2002