المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سامي المبارك
عدنان المبارك





فنون
 

العائدون من عالم الابادة

  
علي النجار
  













ملاحظات عن عمل فني

كيف نقدم أنفسنا للآخر, ولم. سؤال مطروح بقوة لفناني المغترب. إن لم يكن لفناني العراق بشكل عام. فتاريخنا الحالي لا يشبه أي تاريخ عراقي حديث آخر. بحوادثه التراجيدية الدامية. تاريخ استثنائي للألم الجمعي. بسننه ومسبباته. بعوامله الداخلية والخارجية. وبحجم أرشيفه الوثائقي والصوري. كيف نقدم بعض من ذلك بوسيلة فنية تواصلية, تكون أكثر فاعلية من صور رسومنا التقليدية بكل مهاراتها الواقعية والمتخيلة. كيف نندس ضمن الكم الهائل من الابتكارات الصورية الرقمية وأكداس الإنشاءات والتجميع. إن كانت الوثيقة الفيلمية إحدى هذه الوسائل. فهناك أيضا وسائل من الممكن أن نجعلها تنتصب ضمن فضاءات مدن الاغتراب. شهادة تفصح عن وحشية زمننا الجديد. الذي أرادوه أن يكون قدوة لبقية دول المنطقة. قدوة بدل أن تكون بيضاء. اسودت, بل تفحمت, كما تفحم الكثير من ضحايانا بدون سبب.
منذ اكتشاف أول مقبرة جماعية في قضاء المحاويل من محافظة بابل. في(16 مايس, 2003) وموضوعها يؤرقني. حتى طرحت فكرة إنشاء عمل تجميعي يتناول كارثتها في العراق على العديد من المنظمات المدنية سواء في البلد الذي اقطنه(السويد) أو في إحدى ولايات الولايات المتحدة, وغيرها. عمل لا يخلو من الصدمة. صدمة الحدث. وصدمة الحروب التي اعتمدوها مفهوما إستراتيجيا محسوبا بنوايا مقاصدها المضمرة. فمزقت بلدنا بصدمتها. ولنرجع بضاعتهم لهم.
مشروع المقابر الجماعية كما دونته وقدمته:
لقد استشهد أو قتل بلا ذنب في حروب الدكتاتورية المتكررة وعلى مدى أعوام عديدة آلاف العراقيين. كان تقليدا أن تقام الفاتحة على أرواحهم المغتالة ومن كل القوميات والأديان والمذاهب, داخل خيمة معدة لهذا الغرض. بعد أن لم تعد دور العبادة. كما السابق. توفي بالغرض. لم يخلو أي شارع أو زقاق على امتداد مساحة مدن وأرياف العراق من نصب هذه الخيام .

أما من اغتيل في التعذيب ومن دفن في المقابر الجماعية, أو من فقد وهو بالأساس مغتالا, فلم تقام الفاتحة على أرواحهم الطاهرة . هذه الأجساد التي لم تحصل على حقها من طقوس الدفن التقليدية, ننوي إقامة طقوس الفاتحة على أرواحها في خيمتنا الافتراضية هذه, بعد أن نكسيها( نغطي هيكلها كله من الخارج ) بملابس متنوعة تمثل أطياف الشعب العراقي وترمز في نفس الوقت الى جسدهم المغتال ولتبرز للعالم جسامة خسارتنا, ولكي لا تنسى جرائم الدكتاتورية ومحنها التي عانى منها شعبنا. على الصعيد المحلي والعالمي .
مشروع المقابر الجماعية يحتوي على تخطيطات مفترضة وصور لماكيت صغير, هو الأخر افتراضي. فيما يلي بعض الإيضاحات عن هذا العمل:
1 ـ تخضع قياسات الخيمة للاحتمالات المتوفرة وكقياس افتراضي يقترح أن تكون ما بين ثمانية إلى عشرة أمتار طولا وأربعة أمتار عرضا وبارتفاع وسطي ثلاثة أمتار, ارتفاع الجانبين متر ونصف.
2ـ قماش سميك يغطي مساحتها الخارجية.
3 ـ ملابس مختلفة. منها التقليدية كالدشداشة والأثواب النسائية لكل الأعمار. تخضع لعملية الحرق والخرق وتأثيرات التعرية وآثار الاطلاقات, حتى تقارب ما وجد في المقابر من ملابس متهرئة على جلود وعظام المغدورين. تخاط ببعضها للقماش حتى تكسيه تماما.
5 ـ تثبت علي الجدران الداخلية صور فوتوغرافية من أرشيف المقابر المكتشفة مع معلومة عن كل منها.
6 ـ مستطيل من الرمل بطول ستة أمتار, وعرض متر. يتوسط أرضية الخيمة, توضع وسطه ثلاثة توابيت مغطاة بالأكفان. مدون على كل منها اسم من أسماء الضحايا بلا تعيين.
7 ـ إنارة مناسبة في داخلها تسلط على الصور والتوابيت المطروحة.
8 ـ لافتة نعي سوداء توضع على النصف المغلق من مقدمة الخيمة.
9 ـ شاهدة العمل .. وثيقة متكاملة عن المقابر توضع بقربها.

لقد اشتغل العديد من فناني الغرب التشكيليين على الخيمة. لكنها خيمتهم الشخصية. خيمة الحب وأسراره, خيمة الجوال. هي أيضا منزل متنقل. لكنها عندنا خيمة العزاء وخيمة اللجوء. و بيت الموت كما اقترحها, وكما يشير هيكلها الخارجي المتهرئ. أنها الخيمة الصدمة. وأنا أريدها معروضة في الساحة أو الشارع. علامة اعتراض, ومناسبة لا تنسى. مثل هكذا مشروع فني سياسي, لا يستطيع شخص الفنان لوحده من تنفيذه, ولا من الحصول على مكان لأقامته. لذلك تباحثت مع عدة جهات مدنية عراقية في الخارج, وحتى بعضها في داخل العراق. لكن بدون فائدة ترجى. في البدء كانت هناك وعود لإشراك العائلات في تنفيذ الملابس. ثم إشراك آخرين في عمل الخيمة, وأنا أنفذ بقية التفاصيل. لكنها بقيت وعود لا أكثر. وليبقى إيصال الرسالة للآخر مؤجلة كما هو حالنا دوما.
ما دمنا في مفهوم الصدمة. فقد عملت ماكيت لمشروع عن ضحايا الحروب والمفخخات. على أمل تنفيذه. وكان في إمكاني ذلك. المشروع عبارة عن شخصين رجل وامرأة بحجمهما الطبيعي متفحمين مع رمادهما, يستقران على منصة مغلفة بقماش أبيض وبارتفاع متر عن الأرض. ينصب فوقها هيكل قماشي شفاف بقياس طول وعرض المنصة يرتفع لأعلى القاعة حتى السقف. ربما بارتفاع أربعة أو خمسة أمتار. مع رسوم غرافيكية لحشرات تستقر على سطحه الخارجي من كل الجهات. فكرته مأخوذة من شكل الناموسية, ووظيفتها لمنع الحشرات من الدخول لفراش النائم. مع ترك نصف متر فراغ, ما بين المنصة وحافة الهيكل القماشي السفلى. من اجل وضوح رؤية الجسدين. العرض يتم في قاعة مظلمة, ويسلط ضوء مباشر على الأجساد فقط من وسط الهيكل القماشي الأعلى, ليشكل موشورا لروح الضحايا.
الجزء الثاني يتكون من ثلاثة مسارات من صور أرشيف الحروب الثلاثة(العراقية الإيرانية, حرب الخليج الأولى, حرب الخليج الثانية) تمتد هذه المسارات من قاعدة المنصة على امتداد أرضية القاعة وصعدا لمنتصف الحائط المقابل. مع وضع أرقام في الأعلى لكل مسار حرب(1 ـ 2 ـ 3 ) ثم كلمة(لماذا)
قدمت المشروع لجهة عربية تهتم بالفن التشكيلي. كان ردها, أن العمل كفن جيد, لكنهم لا يستطيعون عرضه, لأنه لا يتفق وسياسة وأهداف برامجهم الفنية. لكن تم لي إجراء تعديلات اضطرارية(بمعنى غير مناسبة) في عرض خاص في إحدى الأماكن التي توفرت لي في مدينتي السويدية مالمو. التعديلات كانت بسبب من عدم توفر أدوات عرض مناسبة لنصب المشروع. فاستعضت عن المنصة بأرضية القاعة. وعن الهيكل القماشي المرتفع, بآخر منخفض( بحجم الناموسية الاعتيادية. وألغيت مسارات الصور الأرشيفية, لأجمعها بمساحات مختلفة. ومن اجل الإشارة إلى الإنارة, استعملت أربعة فوانيس للأركان. مع ذلك. فان حدوث هذه التغييرات, تدل على أن العمل التنصيبي, أحيانا ما يخضع شكله لفضاء العرض المتوفر. و هذا لا يعني انه يعطي نفس النتائج المتوخاة منه. لكنها الضرورة. مع ذلك ومن اجل أن يؤدي عرضي غرضه, فقد أضفت جزء ثاني, مجموعة من رسوم الوجوه والأقدام معفرة بألوان دالة. عرضتها على الجدار المقابل, بنسق مقصود ليؤدي دوره, كما العنوان( دول الجوار)
إن لم تكن نتائجي مرضية بشكل كامل. فلا يعني أنني أتوقف عن محاولة التفكير, كما في العديد من معارضي الأوربية. اعتقد أنني استطعت في بعضها الإفلات من قيد الصعوبات. والعمل بحدود توظيف الفكرة بما متوفر لي من مواد ووسائل مناسبة. و يبقى العجز أحيانا عن إمكانية تنفيذ الأخرى واردا. وليبقى بعضها مختفي في أدراجي. أنا أعتقد بأنني لست الفنان العراقي الوحيد الذي يعاني من ذلك. فان كان الحل بيد الأشخاص الداعمين. وكالعادة هم بالتأكيد من الوسط البرجوازي, الذي كنا نطلق عليه الوطني. بعد يأسنا المضني من مؤسستنا الثقافية الفنية. لكن أين نجد هذا البرجوازي الداعم. وهل انقرض عصر الدعم. ربما لا يوجد لدينا هكذا فئة. ربما نحلم. ربما نحن نختلف عن بقية العالم وداعمي فنونه. في مغتربنا الأوربي دائما ما تصلنا النصيحة متأخرة من قبل مؤسساته(لا نريد عملا فنيا فيه سياسة). فكيف تستقيم أمورنا.
 
 











© 2002 - 2016 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
6213167   Visitors since 7-9-2002